حين يتخفّى الكذب في ثوب الدعابة
بقلم / سامي المرسي كيوان
ظاهرة الكذب تستحق التأمل في سلوك بعض الناس الذين لا يكتفون بالكذب، بل يسعون إلى تبريره وتسميته «كذبًا أبيض»، أو دعابة عابرة، أو مزاحًا لا يستحق أن يؤخذ على محمل الجد.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تتحول كل كذبة إلى دعابة؟ وهل يكفي أن يعلن من يكذب أن كلامه كان مزاحًا حتى يُعفى من مسؤولية التضليل؟
الكذب في جوهره ليس مجرد قول يخالف الحقيقة، بل محاولة للتأثير في وعي الآخرين، ودفعهم إلى تصديق أمر لم يحدث. والإنسان الذي يعترف بخطئه يمتلك القدرة على مراجعة نفسه، أما الذي يصر على تزيين خطئه، فإنه يدخل في دائرة من التبريرات التي لا تنتهي.
فهو لا يعترف بأنه كذب، لأن الاعتراف قد ينتقص من صورته أمام الآخرين، فيختار تغيير وصف الفعل بدلًا من تغيير سلوكه. وهنا يصبح التبرير وسيلة للهروب من مواجهة الذات.
هل للكذب ألوان؟
يصف البعض كذبهم بأنه أبيض، وكأن للكذب ألوانًا تتحدد وفقًا لرغبة صاحبه. ولكن من الذي يمنح الكذبة هذا اللون؟ أهو الكاذب نفسه، أم الشخص الذي تعرض للخداع، أم النتائج التي ترتبت على الكذب؟
قد تقتضي مراعاة مشاعر الآخرين تجنب قول الحقيقة بطريقة جارحة، وقد يكون الصمت أو اختيار الكلمات اللطيفة أكثر إنسانية من المصارحة القاسية. لكن هناك فارقًا جوهريًا بين مراعاة المشاعر واختلاق الوقائع وتضليل الآخرين.
فليس كل إخفاء للحقيقة كذبًا، وليس كل كذب يمكن تبريره بحسن النية.
«كنت أمزح».. مخرج من المساءلة
عندما يُواجه الإنسان بما قاله، قد يجد في عبارة «كنت أمزح» مخرجًا سريعًا من المأزق. وبدلًا من مناقشة حقيقة كلامه، يحاول أن يجعل الطرف الآخر متهمًا بالحساسية أو التشدد أو عدم فهم الدعابة.
وهنا تحدث المفارقة: يتحول الكاذب إلى شخص يدافع عن حقه في المزاح، بينما يصبح من تعرض للخداع مطالبًا بتبرير غضبه!
إن الدعابة الحقيقية لا تحتاج إلى تضليل الآخرين حتى تنجح، ولا تقوم على استغلال ثقتهم، ولا تجعل من مشاعرهم مادة للسخرية.
أما أن تقول كلامًا كاذبًا بقصد إقناع الآخرين به، ثم تتراجع عنه عندما ينكشف، فذلك ليس بالضرورة مزاحًا، بل قد يكون محاولة لتجنب المساءلة.
هل يكذب الإنسان لأنه لا يحترم الحقيقة؟
ربما لا يكون الأمر بهذه البساطة. فبعض الناس يكذبون خوفًا من نتائج أفعالهم، وبعضهم اعتاد الكذب حتى أصبح جزءًا من أسلوب تعاملهم، وبعضهم يعجز عن الاعتراف بالخطأ.
وقد يبرر الإنسان كذبه لنفسه قبل أن يبرره للآخرين، فيقنع ذاته بأنه لم يقصد الإساءة، وأن ما قاله لا يستحق اللوم، وأن الآخرين أساؤوا فهمه.
وهنا تتجلى إحدى مشكلات النفس البشرية: قدرتها على اختراع الأعذار لحماية صورتها عن نفسها. فالإنسان لا يريد دائمًا أن يكون صادقًا بقدر ما يريد أن يعتقد أنه صادق.
الصدق ليس فضيلة يُقاس بها ما يقوله الإنسان عن نفسه، وإنما بما يفعله حين يصبح الصدق مكلفًا.
والإنسان الصادق ليس من لم يخطئ قط، بل من يمتلك الشجاعة للاعتراف بخطئه، دون أن يختبئ خلف الكلمات أو يتخذ من الدعابة ستارًا.
فالكذب قد يمر عابرًا، لكن أثره في الثقة قد يبقى طويلًا. ولعل أخطر ما يفعله أنه يجعل الإنسان يتساءل، لا عن حقيقة ما قيل فحسب، بل عن حقيقة من قاله.
فالضحك لا يحوّل الكذب إلى صدق، وتغيير الاسم لا يغيّر طبيعة الفعل.
فهل الكذبة البيضاء كذبة لا تؤذي أحدًا، أم أنها كذبة يريد صاحبها ألا يُحاسب عليها؟
إن الأشد خطورة من الكذب أن يصبح التبرير عادة، وأن يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الحقيقة والرواية التي اختلقها لنفسه، ثم صدّقها، وأراد من الآخرين أن يصدقوها أيضًا.
English 




















































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































