من زاوية صغيرة إلى قبلة للقلوب.. حكاية الشيخ الزواوي وتلاوة صنعت ظاهرة رمضانية
«لا أعرف المقامات وأقرأ بالسليقة».. الشيخ الزواوي يكشف سر التلاوة التي أسرت المصلين
كتب – عبدالرحمن إبراهيم :
من محراب مسجد المصطفى بالإبراهيمية، حيث الروحانية الخاصة والصوت الذي يلامس القلوب.. في ليالي رمضان، لم تكن منطقة الإبراهيمية تعرف الهدوء وقت صلاة التراويح، إذ كانت الشوارع المحيطة بمسجد المصطفى تمتلئ بالمصلين، حتى بدت وكأنها مغلقة عن آخرها، في مشهد يعكس حالة استثنائية من التعلق والإنصات، والسبب لم يكن اتساع المسجد، فهو في الأصل زاوية صغيرة، بل الصوت العذب والحضور المؤثر للشيخ عبد الرحمن الزواوي، إمام مسجد المصطفى، الذي تحوّل اسمه في أيام قليلة إلى حديث رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما انتشرت مقاطع لتلاواته التي لامست القلوب قبل الآذان.
مسجد المصطفى، رغم بساطته ومساحته المحدودة، إلا أنه يتمتع بروحانيات خاصة يشعر بها كل من تطأ قدماه المكان، ومع كل ركعة، كان المصلون يعيشون حالة من الخشوع والسكينة.
في هذا الحوار، نقترب من الشيخ “عبد الرحمن الزواوي”، في حديث عن الإمامة، وتجربة خاصة صنعت حالة لافتة من التأثير، وجعلت مسجدًا صغيرًا يتحول إلى مقصد لآلاف القلوب
*في البداية.. كيف بدأت رحلتك مع القرآن الكريم؟
رحلتي مع القرآن بدأت في سن صغيرة جدًا، كنت في السادسة من عمري، حين التحقت بدور تحفيظ القرآن، ومنذ طفولتي كنت شغوفًا بسماع كبار القراء مثل الشيخ محمد صديق المنشاوي، والشيخ الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ رفعت، والشيخ البنا، وكنت أحاول دائمًا محاكاتهم.
والدي لاحظ هذا التعلق بالقرآن، فدفعني إلى المساجد ودور التحفيظ، وكانت البداية الحقيقية من هناك، بدافع ذاتي وحب صادق لكلام الله.
*خلال رمضان الماضي كنت حديث مواقع التواصل الاجتماعي.. كيف شعرت بهذا الاهتمام الكبير؟
في الحقيقة، عندما أدخل المحراب في رمضان، أنقطع تمامًا عن وسائل التواصل الاجتماعي، وقد أخبرنى بعض المقربين بهذا الاهتمام، لكني أراه من باب حسن الظن بالعبد الفقير.. وما يحدث من قبول أو انتشار هو توفيق من الله وحده، ومصر بفضل الله بلد ولّادة، مليئة بالقراء الأفاضل المتمكنين، وأنا أقلهم قدرًا، وإن كان هناك قبول أو سمعة طيبة، فهو فضل من الله لا أكثر.
*صوتك العذب وخشوعك يلفتان الأنظار.. ما سر هذه الروحانية أثناء التلاوة؟
السر الأول في كل شيء هو التوفيق من الله، ثم المعاملة الصادقة مع الله سبحانه وتعالى.
قارئ القرآن ليس مجرد صوت جميل، بل قلب قبل الصوت. ولكي يتأثر القلب، لا بد أن يعيش مع الآيات معايشة تدبرية معرفية، لا قراءة بعيدة عن المعنى والمضمون.
إذا عاش القلب مع القرآن، امتزجت الروحانيات بالصوت، ووصل الأثر إلى المستمع.
*هل ترى أن صوت الإمام المميز عامل مهم في جذب الناس إلى المسجد؟
بالتأكيد، فقد امتدح النبي ﷺ الأصوات الحسنة في تلاوة القرآن، وقال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، وكان سيدنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يُحسّن تلاوته تحبيرًا، حتى قال للنبي ﷺ “لو علمتُ أنك تسمع قراءتي لحبّرته لك تحبيراً”
وحُسن الصوت في تلاوة القرآن أمر دل عليه الشرع وحثّ عليه، لما له من أثر بالغ في استمالة القلوب وجذب الناس إلى بيوت الله.
ومن هنا تبرز أهمية حسن اختيار الأئمة الذين يجتمع الناس خلفهم، على أن يكون الصوت الحسن مقرونًا أولًا بإتقان الأحكام وضبط المخارج، وهو أمر لا غنى عنه، ويُعد في الوقت ذاته بابًا من أبواب الدعوة.
فكلما كانت المساجد عامرة بالمصلين، كان ذلك مكسبًا حقيقيًا للأمة بأكملها، ولا شك أن الإمام صاحب الصوت الحسن، المتقن لتلاوته، يكون أدعى لترغيب الناس في الصلاة، وتشجيعهم على الإقبال على المساجد.
*هناك من يرى تشابهًا بين صوتك وصوت الشيخ حاتم فريد الواعر.. ما رأيك؟
قد يكون هناك قدر من التشابه، وذلك بحكم نشأتي في مدينة الإسكندرية، والشيخ حاتم فريد الواعر يُعد من أبرز قرائها المعروفين، وكان له تأثير واسع في قطاع كبير من الناس هناك.
وربما يرجع هذا التشابه أيضًا إلى أن شيخي، فضيلة الشيخ أسامة الأباصيري، هو أحد مشايخ الشيخ حاتم، فاجتمعنا في أصلٍ واحد أو مدرسة واحدة في التلاوة.
ومع ذلك، أؤكد أن الفارق كبير جدًا، ولا مجال للمقارنة بيني وبينه أو بيني وبين كبار القراء عمومًا، فأنا أقلهم قدرًا، وإن وُجد تشابه، فالتشابه بالصالحين أمر محمود، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا في زمرتهم.
*هل تعتمد على المقامات الصوتية أثناء التلاوة؟
قد تكون إجابتي مفاجِئة للبعض، فأنا في الحقيقة لا أفقه شيئًا في المقامات الصوتية، وأقرأ بالسليقة فقط، وقد أتنقّل بين أكثر من أسلوب في الليلة الواحدة دون قصد أو تخطيط، حتى إن أحدهم أخبرني مرة أنني قرأت بسبعة مقامات في ليلة واحدة أثناء صلاة التراويح رمضان الماضي، وأنا لا أعرف اسم مقام واحد منها، فالأمر كله توفيق من الله سبحانه وتعالى.
*كيف يستعد مسجد المصطفى لاستقبال شهر رمضان 2026؟
الاستعداد يتم على عدة مستويات:
تنظيم الأفراد العاملين، وتجهيز الأجهزة الصوتية، وفرش المسجد، وتأمين أماكن المصلين، وتنظيم حركة المرور، خاصة أننا في منطقة سكنية، ونحرص كذلك على مراعاة الجيران بعدم رفع الأصوات خارج نطاق المسجد.
*لاحظت أن سجاد مسجد المصطفى يشبه إلى حد كبير السجاد الأحمر القديم في الحرم النبوي الشريف.. هل هي صدفة أم اختيار مقصود؟
نعم ليس الأمر صدفة، فهذا السجاد كان مفروشًا بالفعل داخل المسجد النبوي الشريف.
ففي فترة من الفترات، كانت المملكة العربية السعودية تقوم باستبدال السجاد القديم للحرم، ويتم توزيعه على بعض المساجد داخل المملكة.
لكن بفضل الله، كان مسجد المصطفى استثناءً، حيث رزقنا الله قبل نحو عشر سنوات بسجاد كان مفروشًا في المسجد النبوي نفسه، وليس مجرد سجاد مُصنَّع له، وذلك لأول مرة في تاريخ مصر.
*بعد سنوات طويلة في الإمامة.. ما الذي لا تزال تتعلمه حتى اليوم؟
لا أزال أتعلم أمرين أساسيين لا غنى عنهما.
الأول هو سؤال الله الدائم للتوفيق، فمهما طالت سنوات الإمامة والوقوف في المحراب، يظل الإنسان مستشعرًا ضعفه وفقره وحاجته إلى الله، وكثيرًا ما تمر عليّ لحظات أشعر فيها وكأني أقف للصلاة لأول مرة، فأجدني محتاجًا أن أتعلم الإمامة من جديد، ولا أملك إلا أن أسأل الله التوفيق والثبات.
أما الأمر الثاني، فهو المراجعة المستمرة للقرآن الكريم؛ فمهما بلغ الإمام من إتقان وقوة في الحفظ، لا يستغني أبدًا عن المراجعة، لأن القرآن سريع التفلت، كما قال النبي ﷺ “تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها”.
ودوام المراجعة يكسر في نفس الإمام دواعي العُجب والغرور، ويذكّره دائمًا بحاجته إلى الثبات والتوفيق، فمهما قوي الحفظ، يظل الإنسان محتاجًا إلى سؤال الله، وإلى ديمومة المراجعة.
English 
























































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































