حكاية أثر ..”وكالة الغوري”.. تحفة معمارية تجمع بين التاريخ والإبداع
د. سحر حسن أحمد
تُعتبر وكالة الغوري، واحدة من أبرز التحف المعمارية التي خلفها العصر المملوكي- دولة المماليك البرجية (الجراكسة) 1382م/ 1517م في مصر- حيث تُجسد هذه الوكالة التاريخية روح عصرٍ ازدهر فيه التجارة والفنون في القاهرة الإسلامية، وقام ببنائها السلطان الأشرف “قنصوه الغوري”، عام 1503/ 1504م (909-910هـ)، كجزءٍ من مجموعته المعمارية الشاملة، التي تضم: “مسجدًا، وقبة، وسبيلًا، وكُتابًا، ومدرسة، وخانقاه”، أما عن موقعها؛ فتقع الوكالة في شارع محمد عبده، المتفرع من شارع الأزهر، في منطقة الغورية، بقلب القاهرة التاريخية .
ولعل أهم ما يُميز “وكالة الغوري”، هو هذا التزاوج الفريد بين وظيفتها التجارية الأصلية، ودورها الثقافي المعاصر؛ حيث تحولت من مركزٍ تجاريٍ عالميٍ، إلى منصةٍ إبداعية، تُقدم الفنون التراثية، هذا التحول جعل منها نموذجًا ناجحًا؛ لإحياء التراث المعماري الإسلامي، وتوظيفه في خدمة الحركة الثقافية المعاصرة.
البناء والتخطيط المعماري
وتُمثل الوكالة نموذجًا واضحًا للعمارة المملوكية الجركسية، وهي آخر المنشآت المملوكية التي حافظت على طابعها الأصلي، فقد تميزت بتصميمٍ فريدٍ؛ إذ تتكون من خمسة طوابقٍ، تُحيط بفناءٍ مكشوفٍ مستطيل الشكل؛ حيث يجتمع العنصران الرئيسيان في العمارة الإسلامية: الفناء الداخلي والمشربيات الخشبية .
والطابقان “الأرضي والأول”، كانا مُخصصين للتجارة والتخزين، ويحتويان على حوالي 30 حاملًا (مخزنًا)، بينما تضم الطوابق العليا الـ29 مسكنًا مستقلًا للتجار، لكل منها مدخلٌ خاصٌ، وسلمٌ داخليٌ؛ لضمان الخصوصية، وهذا التقسيم الذكي يعكس فهمًا عميقًا لاحتياجات التجار الوافدين من مختلف البلدان.
المشربيات.. تحفة الفن الإسلامي
تشتهر وكالة الغوري بأنها “متحفٌ مفتوحٌ لفن المشربية”؛ حيث تزخر بـ 29 مشربية من روائع فن الخرط العربي، هذه المشربيات ليست مجرد عناصرٍ زخرفية؛ بل تلعب دورًا وظيفيًا في التحكم في الضوء، والهواء، والحفاظ على الخصوصية، النوافذ المزودة بحواجبٍ خشبية قابلة للتحريك، تسمح للسكان برؤية الخارج دون أن يراهم أي أحدٍ، مما يعكس ذكاء التصميم الإسلامي .
العناصر المعمارية المكملة
كانت الوكالة جزءًا من منظومة متكاملة؛ تشمل: مسجدًا لأداء الصلاة، وحمامًا عامًا (اندثر حاليًا)، واسطبلات للدواب، وسبيلًا لتوفير المياه العذبة، وكُتابًا لتعليم الأطفال، وهذه المرافق جعلت من الوكالة مدينة مُصغرة، توفر كل احتياجات التجار المقيمين، مما يعكس رؤية متكاملة للتخطيط العمراني في العصر المملوكي.
الدور التجاري.. قلب الاقتصاد المملوكي
أنشأ السلطان الغوري الوكالة؛ لخدمة التجارة الدولية؛ حيث كانت تستقبل تُجارًا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا، وقد تخصصت الوكالة في تجارة الأقمشة الفاخرة، والملابس المزركشة الخاصة بالحاشية السلطانية، وكانت تقع بالقرب من سوق الشرابشيين التاريخي، الذي كان يبيع الخلع السلطانية .
البنية التحتية للتجارة
صممت الوكالة بدقة لتلائم احتياجات التجارة؛ كالتالي:
- الطابق الأرضي: حواصلٌ لعرض البضائع.
- الطابق الأول: مخازنٌ للتخزين.
- الطوابق العليا: مساكنٌ للتجار.
- فناء مكشوف: لعقد الصفقات والاجتماعات.
الوكالة والسياسة
تُشير بعض المصادر التاريخية إلى أن “الغوري” أنشأ الوكالة كبديلٍ لخان الخليلي، الذي اشتبه في أنه أصبح مركزًا للتجسس لصالح العثمانيين، وهذا يوضح كيف كانت المنشآت التجارية تلعب أدوارًا سياسية واستراتيجية في ذلك العصر.
عملية الترميم
وخضعت الوكالة لعمليات ترميمٍ واسعة بين عامي 2000-2005م، تحت إشراف “صندوق التنمية الثقافية المصري”؛ حيث أعيدت إلى حالتها الأصلية مع تحديث مرافقها؛ لتصبح مركزًا ثقافيًا، وهذه العملية أنقذت الوكالة من الإهمال، وحولتها إلى نموذجٍ ناجحٍ؛ لإعادة توظيف الآثار في خدمة المجتمع، وفي أكتوبر عام 2005م، فتحت وكالة الغوري أبوابها مرة أخرى، كموقعٍ أثريٍ، ومركزٍ ثقافيٍ يعمل من أجل التنمية الثقافية والبشرية في منطقة القاهرة الإسلامية، ويتواكب أنشطته الثقافية والفنية مع ما يحدث في هذه المنطقة من مشروعاتٍ في مجالي “العمارة والعمران”.
وقد احتلت وكالة الغوري للفنون، المركز الثقافي الرابع، الذي ينشئه صندوق التنمية الثقافية، في منطقة الدرب الأحمر والجمالية، بعد تجربة ناجحة في إنشاء المراكز الإبداعية في البيوت الأثرية في القاهرة، أولها كان “مركز الإبداع الفني ببيت الهراوي”، و”منزل زينب خاتون” عام 1994م، ثم تبعه “مركز الإبداع الفني ببيت السحيمي”، وافتتح عام 2001م ، ثم “مركز الإبداع الفني للطفل في بيت العيني”، وافتتح عام 2003م.
ولا شك أن تلك المراكز الإبداعية؛ ومنها “وكالة الغوري”، هي أدواتٌ تقدم الخدمات الثقافية؛ لذا فقد تم تجهيز هذه الأدوات كي تقوم بهذا الدور على أفضل وجه؛ حيث يوجد بالفعل في الوكالة خشبة مسرحٍ حديثة، وغرف خلع ملابسٍ مجهزة، وكراسي قاعة العرض المتسعة التي تتوسطها النافورة الرخامية ثمانية الأضلاع؛ حيث تتسع لاستقبال 300 متفرجٍ، إضافة إلى منفذ بيع الهدايا التذكارية والكتب، كما أن المركز مجهز فنيًا بنظامي “صوت وإضاءة” على مستوىٍ راقٍ.
فرقة التنورة للفنون التراثية
إحدى فرق الهيئة العامة لقصور الثقافة، تكونت في فبراير 1988م، بمقر قصر الغوري للتراث، وتقدم عروضها بصفة دورية طوال العام، كما شاركت في كل المناسبات الوطنية داخل جمهورية مصر العربية، وشاركت وتشارك في برنامج التبادل الثقافي الخارجي، والمهرجانات الدولية، وقد زارت الفرقة وقدمت عروضها في كل من: “اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية، النمسا، المجر، إيطاليا، السويد، النرويج، الدانمرك، فنلندا، فرنسا، الصين، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية هونج كونج، المغرب، تونس، سوريا، لبنان، الأردن، اليمن، رومانيا، جمهورية التشيك، الهند، المملكة المتحدة، كندا، تركيا، هولندا، استراليا، كينيـا، اليــــونان، سنغافورة.”
وتقدم الفرقة عرضها بمصاحبة الآلات الموسيقية الشعبية؛ مثل: (الربابة، السلامية، المزمار، الصاجات، الطبلة)، كما يقوم بالغناء بمصاحبة الرقص منشدٌ شعبيٌ، يعتمد على التلقائية والإنشاد الديني، وعناصر الرقص بالفرقة تعتمد على راقص التنوره (اللفيف)، والراقصين (الحناتية) الذين يرقصون بآلة الإيقاع (المزهر)، وجميع أفراد الفرقة من راقصين وموسيقيين، هم فنانون تلقائيون، تعلموا فنون الرقص، والعزف، والغناء، عن آبائهم وأجداهم .
وتظل وكالة الغوري أكثر من مجرد بناءٍ أثريٍ؛ إنها نصٌ مفتوحٌ على عبق التاريخ، ومشهدٌ فنيٌ نابضٌ بالحياة؛ حيث تتعانق الحجارة مع الحكايا، وتلتقي العمارة بالتُراث في لوحةٍ بصرية مدهشة. فهناك، في قلب القاهرة، يقف المكان يروي قصة حضارةٍ نُسجت بخيوط الجمال، والدقة، والروح، فمن يتأمل تفاصيلها، لا يرى ماضيًا منطفئًا؛ بل يجد تاريخًا حيًا، يمد جسورًا بين الأمس واليوم، بين الفن والهوية، وبين الإنسان ومكانه الأول.
باحثة بدار الكتب المصرية
English 































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































