# Tags
#ثقافة وفن

الغيث في القرآن الكريم.. رمز للرحمة الإلهية بعد القحط والانتظار

بقلم/ سامي المرسي كيوان

كلمة الغيث في القرآن الكريم ليست مجرد لفظ يدل على المطر، بل تحمل في طياتها معنى أعمق يتصل بالرحمة والإنقاذ بعد الشدة. فالعرب في لغتهم يفرّقون بين المطر والغيث؛ فالمطر قد يكون خيرًا أو عذابًا، أما الغيث فهو المطر الذي يأتي نجدةً ورحمةً بعد قحطٍ وانتظار. ولهذا ارتبط الغيث في النص القرآني غالبًا بحالة الضيق التي يعقبها الفرج.

وقد وردت كلمة الغيث في مواضع قليلة في القرآن الكريم، لكنها جاءت في سياقات ذات دلالة عميقة، منها قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الشورى: 28). في هذه الآية الكريمة يتجلى المعنى الروحي للغيث؛ إذ يأتي بعد القنوط واليأس، فيتحول المشهد من جفاف إلى حياة، ومن انقباض إلى انشراح. فكأن الغيث رسالة ربانية تقول للإنسان إن الرحمة قد تتأخر لكنها لا تغيب.

كما وردت الكلمة في قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ ضمن آية مفاتيح الغيب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ (لقمان: 34). وهنا يظهر الغيث بوصفه أمرًا من أسرار القدرة الإلهية، لا يملكه أحد ولا يتحكم فيه بشر، فهو مرتبط بعلم الله المطلق الذي لا يحيط به الإنسان.

ومن الناحية البلاغية، يحمل لفظ الغيث إيحاءً خاصًا بالحياة والإنقاذ. فالإنسان حين يذكر الغيث يتخيل الأرض اليابسة وقد ارتوت، والزرع الذابل وقد اخضر، والقلوب القلقة وقد اطمأنت. ولهذا استخدم العرب الكلمة أيضًا في معنى الإغاثة، أي النجدة في وقت الحاجة.

وقد توسع المفسرون في هذا المعنى، فرأوا أن الغيث ليس مجرد ماء ينزل من السماء، بل رمز للرحمة الإلهية الشاملة؛ فكما يحيي المطر الأرض بعد موتها، يحيي الله القلوب بالهداية بعد ضلالها. ومن هنا أصبح الغيث في الخطاب الديني والأدبي علامة على الأمل بعد الانقطاع.

ولعل هذا المعنى هو الذي جعل الأدب العربي يستخدم كلمة الغيث في الدعاء والثناء، فيقال عن الرجل الكريم إنه “غيث المحتاجين”، أي الذي يغيثهم كما يغيث المطر الأرض العطشى.

وهكذا يظهر لنا أن الغيث في القرآن الكريم ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو صورة من صور العناية الإلهية بالإنسان والكون، ودليل على أن الرحمة الإلهية قادرة على أن تنزل في اللحظة التي يظن فيها الناس أن الأبواب قد أغلقت.

فالغيث، في النهاية، رسالة أمل: بعد كل قحطٍ مطر، وبعد كل انتظارٍ فرج.

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *