تفائلوا خيرا تجدوه
كتبت د/ هند يحى
ترددت كثيرًا فى كتابة هذا المقال، لكن الذى شجعنى على كتابته هو طلابى ، لأننى كلما ذكرت لهم أنهم بعد التخرج بإذن الله من كليات ومعاهد الإعلام سيصبحون من صفوة المجتمع وستكون على عاتقهم مسئولية كبيرة ، فمنهم الذى سيصبح محررًا صحفيًا ، ومنهم المخرج الصحفى ، والمراسل الصحفى ، والمذيع ومقدم البرامج ، والمخرج الإذاعى والتليفزيونى ….. إلى آخره من المهن الإعلامية ، كلما تلقيت إجابه من الكثير منهم بأن التحاقهم بكليات الإعلام هى ليست رغبتهم وهذا بسبب مجموع الدرجات الخاص بهم فى الثانوية العامة ، فمنهم من كان يريد أن يصبح طبيبًا ومنهم من كان يريد أن يلتحق بكلية الهندسة …. إلى آخره من الكليات التى كانوا يأملون فى الإلتحاق بها ، لكن كلية الإعلام لم تكن رغبتهم الأولى أبداً ، ولا يريدون أن يمتهنوا أى مهنة خاصة بالإعلام . ومن هنا قررت أن أكتب مقالى هذا لأسرد لهم تجربتى الخاصة بهذا الشأن .
فعندما كنت طفلة كان أبى وأمى والأقارب يطرحون علىّ بعض الأسئلة مثل : ماذا تريدين أن تعملى عندما تكبرين ؟ فكانت إجابتى مثل أى طفلة تختار الوظائف ذات المراكز الكبرى التى سمعت عنها ، واخترت أن أكون طبيبة ، ومن هنا بدأ أبى وأمى يشجعوننى على أن ألتحق بكلية الطب من خلال تقديم الهدايا بعد نجاحى فى الدراسة كل عام ، وهذه الهدايا كانت عبارة عن أدوات الطبيب ، وكتب ومجلات خاصة بالطب ، لذلك أصبحت أبذل قصارى جهدى لأن أحصل على أعلى مجموع فى دراستى كل عام ، لأننى علمت أن من شروط الإلتحاق بكلية الطب هو الحصول على أعلى الدرجات ، أو بالأخص الدرجات النهائية . ومن هنا أصبحت لدىّ الرغبة الكاملة فى أن أُصبح طبيبة وبالأخص طبيبة عظام ، لأن هذا المجال أحببته حقاً من كثرة قرائتى عنه .
وعندما أُعلنت نتيجة تنسيق الثانوية العامة كنت شغوفة جدا أن أعرف الكلية التى سألتحق بها ، لكننى فوجئت أن التنسيق قد ألحقنى بكلية الهندسة جامعة الفيوم ، وذلك على الرغم من أننى من سكان مدينة القاهرة ، والفارق بين كلية الهندسة جامعة القاهرة وجامعة الفيوم هو نصف درجة ، وبما أننى أكبر أخوتى أى أول فرحة بالنسبة لهم ، لاحظت أن هذه الفرحة لم تدخل منزلنا بل عم عليه الحزن والبكاء من قِبل أمى بالأخص ثم أخوتى ، لأننى سأغترب وسأبعد عنهم خمس سنوات ، وبالفعل أخذ أبى خطاب التنسيق الخاص بى وأخذنى معه إلى جامعة الفيوم ، وأنا فى الطريق إلى هناك أخذت أُفكر لماذا حدث لى هذا ، ولماذا فعل بى هذا وهو يعلم جيداً بأننى كم حلمتُ أن ألتحق بكلية الطب وأُصبح طبيبة عظام ، حينها حبست دموعى بعينى حتى لا يرانى أبى ويحزن أكثر مما هو حزين علىّ ، لكننى تمالكت أعصابى ، والتحقت بجامعة الفيوم والمدينة الجامعية بها ، ودفع أبى الرسوم الخاصة بكلية الهندسة .
ثم عدنا إلى المنزل لكننى وجدت منزلنا لأول مرة يسكنه الحزن والهدوء التام ، والأمر تطور إلى أننى وجدت أُمى مجهشة فى البكاء وأحتضنتنى بشدة وقالت لى لا تذهبى إلى هناك لأننى اشتقت إليكى جدا ، ولن أتحمل غيابك عنى خمس سنوات ، حينها انفجرت فى البكاء ، وقلت لأبى لن أذهب إلى جامعة الفيوم ثانيةً ، وأخذت أُلح عليه بأن يُلحقنى بأى جامعة أخرى بمحافظة القاهرة أو أن أجلس فى المنزل ولن أُكمل تعليمى .
وأخذ أبى يفكر ماذا يفعل ؟ والطلاب إلتحقوا بالفعل بالجامعات والأماكن قد انشغلت بها بالفعل وبدأت الدراسة ، ثم اقترح أبى اقتراح علينا كأسرة واحدة وهو أن ألتحق بمعاهد خاصة بالحاسب الآلى لأنها هى الوحيدة التى بها أماكن للإلتحاق بها ، حينها بكت أُمى لأننى خسرت كليات القمة ، وفكرت أمى فى جارتنا التى تسكن فى المنزل الذى أمامنا وهى مسيحية وأكبر منى سناً وهو ثلاث سنوات ، وقالت أمى أنها تراها تذهب إلى الكلية لكنها لا تعرف فى أى كلية تلتحق بها هذه الجارة ، فما رأيك أن تتحدث مع أبيها وتعرف منه أى شئ لعل الله يُلهمنا بحل لأبنتنا ، وبالفعل قابل أبى والد جارتنا وقال له أن ابنته بكلية الآداب قسم التاريخ بجامعة عين شمس ، وإذا أردت ابنتك هند تذهب مع ابنتى إلى هذه الكلية فهيا بنا الآن.
وبالفعل ذهبت أنا وأبى مع جارتنا إلى كلية الآداب جامعة عين شمس وأنا محبطة للغاية لدرجة أننى أحسست بالإكتئاب وكنتُ أفكر فى الإنتحار جدياً ، لأننى فقدت أهم حلم فى حياتى ، لكن ضميرى دائماً كان يؤلمنى دائما بأن الإنتحار حرام شرعاً ، لذلك طردت هذه الفكرة من ذهنى تماماً . ومن ناحية أخرى وجد أبى صديق وجار لنا- رحمة الله عليه – كان يعمل موظف إدارى بهذه الجامعة ، ورحب بنا كثيراً ، وحدثه أبى عن مشكلتى ، فقال له: أن كلية الآداب بها عدة أقسام لكن أحدث قسمين بها هما، قسم الإرشاد السياحى وقسم الإعلام ومستقبلهم رائع ، ولن أُخفى عليكم طلابى الأعزاء ، فأنا لم أكن أعلم حينها معنى كلمة ” إعلام ” ولا أعلم عندما أنتهى من الدراسة بهذا القسم ماذا سأكون فيما بعد . لكن تركت الأمر لأبى وأنا فى غاية اليأس والإحباط ، وقلت له اختر أنت لى يا أبى لأننى بعد خسارتى لكلية الطب فلا أريد أى شئ . حينها تألم أبى كثيرا وقال لى : أتركى الأمر لله وحده . وقدم أبى أوراقى بكلية الآداب قسم الإعلام ، وكان هناك امتحان قبول ، حضره كبار الإعلاميين منهم الأستاذ الإعلامى الكبير محمود سلطان رحمه الله ، والأستاذ محمود معروف المحلل الرياضى بجريدة الجمهورية والدكتورة الإذاعية الشهيرة درية شرف الدين ، و أ.د. هبه شاهين الأستاذ بكلية الآداب قسم الإعلام جامعة عين شمس ، وتم اختبارى واجتزت هذا الإختبار بجدارة ، والتحقت بهذا القسم ، ولن أُخفى عليكم مرة ثانية بأننى وجدت نفسى بعد مرور ثلاث سنوات أى أننى أصبحت فى الفرقة الثالثة ، وأنا لا أرغب بهذا القسم ولا بالمواد التى أدرسها، لأننى أرغب فى الدراسة العلمية وليس الأدبية ، إلى أن جاء لنا بالقسم أستاذى الفاضل أ.د أشرف صالح أستاذ الإخراج الصحفى بكلية الإعلام جامعة القاهرة ، وبدأ يشرح لنا مادة الإخراج الصحفى بأسلوبه الرائع والبارع ، حينها بدأ ذهنى يعمل جيداً لأنها مادة تعتبر رياضية وفنية وإعلامية فى آن واحد، وكان يشرح لنا فنط يُسمى فنط ” منى” ، حينها ذهبت إليه وسألته عن شكل هذا الفنط وأخذ ماذحاً يسألنى: لماذا؟ هل اسمك منى ؟ ، فضحكت وقلت لا ، فنصحنى بأن أتدرب بمؤسسة الأهرام على الإخراج الصحفى وأرى الفنطات المستخدمة بها ، وأخذت بنصيحته وتدربت بالأهرام ، وخصصت مشروع تخرجى بالإخراج الصحفى ، وامتهنت هذه المهنة وأنا طالبة ، وعملت بعدة صحف وأصبح لى رصيد جيد بالسوق الصحفى ، والتحقت بالدراسات العليا وحصلت على درجتى الماجستير والدكتوراه فى مجال الإخراج الصحفى بإشراف أستاذى الدكتور أشرف صالح ، والذى لا يعلم إلى يومنا هذا أنه بعد الله سبحانه وتعالى له الفضل فى توجيهى إلى الطريق الصحيح . ومن هنا أصبحت أستاذة جامعية فى مجال كنت أكره بالفعل إلى أن أصبحت أعشقه بجنون .
لذلك أنصح جميع طلابى بأن يجتهدوا فى أى مكان رزقك الله به ، فأنت لا تعلم أين هو الخير ، وتفائلوا خيراً تجدوه .
English 



























































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































