# Tags
#ثقافة وفن

وعد النجاة من الله تعالى.. انقلاب في موازين الأمن والخوف

بقلم/ سامي المرسي كيوان                  

يقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، سورة القصص، الآية 7. ليست الآية مجرد خبر عن نجاة طفل، بل هي انقلاب في موازين الأمن والخوف.

فالأم في عرف البشر تأوي بولدها إلى صدرها، تحجبه عن الريح والماء، وتغلق عليه الأبواب. لكن حين تصبح الأبواب نفسها مصدر الخطر، ويتحوّل الناس إلى عيونٍ تترصد، وأيدٍ تمتدّ بالبطش، يصبح البحر — ذلك المجهول العميق — أرحم من البيوت.

لقد كان التهديد صادرًا عن سلطةٍ قاسية يمثلها فرعون، الذي أمر بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل. وهنا تتجلّى المفارقة القرآنية: الخطر لم يكن في الماء، بل في قلوبٍ تجردت من الرحمة.

اليمّ في الظاهر غرق، لكنه في ميزان العناية الإلهية كان نجاة. الموج في الظاهر اضطراب، لكنه في الحقيقة كان طريقًا مستقيمًا إلى قدرٍ مرسوم.

ذلك الرضيع الذي أُلقي في الماء لم يكن ضحية قدر أعمى، بل كان محفوظًا بوعدٍ صريح: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ — وعدٌ بالرجوع، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ — ووعدٌ بالاصطفاء. فصار اليمّ صندوق أمان، وصار الخوف بوابة رسالة، وصار المجهول أكثر طمأنينة من واقعٍ تحكمه القسوة.

وهنا يتكشّف المعنى العميق: حين يفسد الإنسان، قد تكون الطبيعة أعدل منه. وحين تتعطل الرحمة في القلوب، يتولى الله الحفظ من حيث لا يُحتسب.

لم يكن البحر يومها أكثر أمانًا بذاته، بل لأن الله جعله كذلك. فالأمان الحقيقي ليس في المكان، بل في الرعاية الإلهية. ومن هنا نفهم أن النجاة لا تُقاس بقرب الجدران، ولا ببعد المسافات، بل بالقرب من الوعد الصادق.

إنها قصة تعلم الإنسان أن الأمن قد يأتي من جهةٍ يخشاها، وأن الخطر قد يسكن في صدر من يظنه مأمنًا.

وهذا هو سرّ المفارقة: اليمّ لم يكن أخطر من قلوبٍ فقدت إنسانيتها، بل كان — بأمر الله — أرحم منها. الغرض هنا العظة والعبرة.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *