# Tags
#ثقافة وفن

مصر في القرآن الكريم.. أرض الرسالات والأنبياء والأمن والاستقرار

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يَرِدُ ذكر مصر في القرآن الكريم لا يأتي بوصفه مجرد اسم جغرافي، بل يظهر بوصفه أرضًا لها حضور خاص في التاريخ الديني والإنساني. فالقرآن لا يكثر من ذكر أسماء البلدان، لكنه حين يذكرها يربطها غالبًا بأحداث كبرى أو برسالات إلهية تركت أثرًا في مسيرة البشر. ومن هنا جاء ذكر مصر مرتبطًا بالأنبياء والابتلاءات والنعم، وكأنها مسرح لقصص كبرى من قصص الوحي.

في القرآن نجد أن مصر ذُكرت صراحةً خمس مرات بالاسم، في سورة يوسف (آية 21): ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ…﴾. وسورة يوسف (آية 99): ﴿…ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. وسورة يونس (آية 87): ﴿…أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا…﴾. وسورة الزخرف (آية 51): ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ…﴾. وسورة البقرة (آية 61): ﴿…اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ…﴾

وفي قول الله تعالى على لسان يوسف عندما دعا أبويه وأهله إلى القدوم إليه بعد أن صار ذا مكانة في البلاد: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: 99). فهذه الآية القصيرة تحمل دلالات واسعة؛ فهي تشير إلى مصر بوصفها أرضًا للأمن والاستقرار، ومكانًا يمكن أن يجد فيه الإنسان ملاذًا بعد سنوات من الشدة والابتلاء.

لكن حضور مصر في القرآن لا يقتصر على هذه الآية، بل يتكرر ذكرها ضمن أحداث كبرى من خلال الحديث عن موسى وقومه، وعن طغيان فرعون. فقد كانت مصر في تلك القصة مسرحًا لصراع بين الحق والباطل، بين الرسالة الإلهية التي حملها موسى عليه السلام وبين السلطة المتجبرة التي جسدها فرعون. ومن خلال هذه القصة الطويلة التي تكررت في سور عديدة، يرسم القرآن صورة لمجتمع كامل عاش في مصر القديمة، بما فيه من قوة سياسية، ونظام اجتماعي، وطبقات حاكمة ومقهورة.

وفي موضع آخر يذكر القرآن ما عُرف بقصة بني إسرائيل عندما خرجوا من مصر بعد سنوات من الاستضعاف، وهي قصة تعكس تحولات التاريخ وكيف تتبدل الأحوال بين القوة والضعف. ففي تلك الأحداث كانت مصر رمزًا للحضارة والقوة، لكنها كانت أيضًا ساحة لامتحان الإنسان بين العدل والظلم.

ومن اللطيف في النص القرآني أن مصر تظهر أحيانًا بوصفها أرض الخيرات. ففي سورة يوسف تبرز صورة البلاد التي يفيض فيها النيل وتكثر فيها الزراعة، حيث استطاع يوسف أن يدير سنوات الرخاء والجدب بحكمة، فصارت مصر مخزنًا للغذاء في زمن المجاعة. هذه الصورة ليست مجرد وصف اقتصادي، بل تحمل معنى أعمق: أن حسن التدبير والعقل الراجح يمكن أن يحولا النعمة إلى مصدر إنقاذ للبشر.

وهناك إشارة أخرى غير مباشرة حين قال الله تعالى لبني إسرائيل: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (البقرة: 61). وقد اختلف المفسرون في معنى كلمة “مصرًا” هنا: هل المقصود بها مصر المعروفة أم أي مدينة من المدن؟ لكن كثيرًا من القراء ظلوا يرون في اللفظ صدى لاسم البلاد التي عُرفت منذ القدم بالزراعة والعمران.

هكذا تبدو مصر في القرآن أكثر من مجرد مكان؛ إنها أرض شهدت رسالات وأنبياء، ومرت عليها لحظات من الطغيان والعدل، ومن الضيق والرخاء. وهي في المخيال القرآني أرض التاريخ الحي، حيث تتقاطع قصص البشر مع سنن الله في الكون: فالأمن نعمة، والسلطة ابتلاء، والعدل طريق النجاة.

ولو تأملنا هذا الحضور القرآني لوجدنا أن مصر تظهر دائمًا في سياق العبرة. فالقرآن لا يروي التاريخ لمجرد الحكاية، بل ليقول للإنسان إن الحضارات مهما بلغت قوتها تبقى خاضعة لقانون أخلاقي أعلى: قانون العدل والحق. ومن هنا بقيت مصر في النص القرآني رمزًا مزدوجًا؛ رمزًا للخصب والحياة من جهة، ومسرحًا للعظة والتاريخ من جهة أخرى.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *