# Tags
#ثقافة وفن

القنوط واليأس في القرآن الكريم.. علامة خلل في العقيدة يهزمها اليقين بالله

بقلم/ سلمي المرسي كيوان

القنوط في القرآن الكريم ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل هو انكسار داخلي يبلغ بصاحبه حدّ الانقطاع عن الرجاء، وقطع الصلة بحبل الأمل الموصول بالله. إنه لحظة يغلب فيها ظنّ السوء، ويضيق فيها أفق الروح، حتى يخيّل للإنسان أن أبواب السماء قد أُغلقت، وأن رحمته تعالى قد نُزعت من الوجود. غير أن القرآن، وهو كتاب الهداية والرجاء، يقف موقفًا حاسمًا من هذه الحالة؛ فيرفضها، ويجرّمها معنويًا، ويعيد توجيه النفس نحو الأمل والثقة.

في الاستعمال القرآني، يرتبط القنوط غالبًا بالكافرين أو الغافلين الذين لم يعرفوا الله حق المعرفة. يقول تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، فالآية تجعل اليأس من روح الله – أي من رحمته وفرجه – علامة خلل في العقيدة، لأن المؤمن الحق يعلم أن قدرة الله لا تحدّها حدود، وأن لطفه قد يتجلّى في أحلك اللحظات. ويأتي النص القرآني الصريح في سورة الزمر ليقطع الطريق على القنوط قطعًا باتًا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى  أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 53). هذه الآية تمثل ذروة الرجاء في القرآن، فهي خطاب مباشر للمذنبين، لا للأتقياء فقط. خطاب يفتح باب العودة مهما تراكمت الخطايا، ويؤكد أن الرحمة أوسع من الذنب، وأن المغفرة سابقة على العقوبة لمن تاب.

وفي موضع آخر، يرسم القرآن صورة نفسية دقيقة لحال الإنسان عند الشدة والرخاء. يقول تعالى في سورة فصلت: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49)، فالإنسان – بطبعه الضعيف – قد ينزلق إلى القنوط حين يطول البلاء أو تتكرر الصدمات. لكن هذا الوصف ليس مدحًا، بل نقدًا لحالة بشرية تحتاج إلى تهذيب بالإيمان والصبر.

ولعل أجمل مشهد قرآني يعالج القنوط هو مشهد نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما بُشّر بالولد في سن متقدمة، فقال متعجبًا: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: 56). هنا يتجلّى المعنى الأعمق: القنوط ضلال في التصور قبل أن يكون ضعفًا في الشعور. لأنه يفترض أن رحمة الله محدودة، أو أن سننه لا يمكن أن تتجاوز الأسباب الظاهرة.

القرآن إذن لا ينكر وجود الحزن، ولا يمنع البكاء، ولا يصادر ألم الإنسان، لكنه يرفض الاستسلام لليأس بوصفه موقفًا عقديًا. فالمؤمن قد يحزن كما حزن يعقوب عليه السلام، لكنه لا ينقطع عن الرجاء. وقد يضيق صدره كما ضاق صدر النبي ﷺ، لكنه يبقى موصولًا بالسماء.

من هنا، يمكن التمييز بين الحزن المشروع والقنوط المذموم. الحزن إحساس إنساني طبيعي، أما القنوط فهو حكم نهائي على المستقبل. الحزن دمعة، أما القنوط فهو ظلام دائم. الحزن لا يناقض الإيمان، أما القنوط فيصادمه.

ولعل الحكمة القرآنية في تحريم القنوط تكمن في أنه يقتل الإرادة، ويعطل السعي، ويجعل الإنسان يسلّم بالهزيمة قبل وقوعها. بينما الإيمان بالرجاء يمنح طاقة مقاومة، ويعيد تشكيل الواقع من الداخل قبل أن يتغير في الخارج.

وهكذا، يبقى القرآن كتاب أمل في وجه اليأس، ونورًا في عتمة الانكسار. وكلما همس القنوط في أذن النفس بأن الطريق قد انسدّ، جاء النداء القرآني ليقول:
لا… إن رحمة الله أوسع، وإن الفجر يولد من رحم الليل، وإن العسر لا يدوم مع وعد الله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5). فالقنوط في ميزان القرآن ليس قدرًا محتومًا، بل حالة عابرة يعالجها الإيمان، ويبددها الرجاء، ويهزمها اليقين.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *