# Tags
#ثقافة وفن

شجرة تخرج من  طور سيناء.. قدسية المكان وبركة البنات

بقلم/ سامي المرسي كيوان 

حين نتأمل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾ (المؤمنون: 20)، يبرز سؤال لطيف أثار انتباه المفسرين عبر القرون: لماذا ذكر القرآن طور سيناء تحديدًا عند الحديث عن هذه الشجرة؟

الجواب عند أهل التفسير لم يكن واحدًا، بل تعددت فيه الإشارات والدلالات، وكلها تدور حول المعنى الرمزي والجغرافي والتاريخي.

أول ما يلفت النظر أن طور سيناء ليس مجرد موضع جغرافي عادي، بل هو مكان ذو قداسة خاصة في التاريخ الديني؛ ففيه كلم الله موسى عليه السلام، ومنه انطلقت شريعة بني إسرائيل. لذلك فإن ذكر الشجرة المرتبطة بهذا الموضع يوحي ببيئة مباركة ارتبطت بالوحي والرسالة. وكأن النص القرآني يربط بين بركة المكان وبركة النبات الذي ينبت فيه.

ثم إن المفسرين لاحظوا أن منطقة سيناء وبلاد الشام كانت من أقدم المواطن التي ازدهرت فيها شجرة الزيتون منذ العصور السحيقة. ولهذا رأى بعضهم أن الآية تشير إلى موطنها الأصلي أو أشهر مواطنها في العالم القديم. فالتعبير القرآني لا يعني بالضرورة أنها لا تنبت في غيره، بل يشير إلى المكان الذي عُرفت فيه واشتهرت.

وهناك أيضًا دلالة لغوية لطيفة. فالعرب كانت تعبر عن الأشياء المهمة بربطها بمكان معروف، مثل قولهم “تمر المدينة” أو “عنب الطائف”. وعلى هذا المعنى، جاء ذكر طور سيناء بوصفه موطنًا مشهورًا لشجرة الزيتون المباركة.

كما أن في الآية نفسها وصفًا دقيقًا لخصائص هذه الشجرة: «تَنبُتُ بِالدُّهْنِ» أي أن ثمرها يعطي الزيت، «وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ» أي إدامًا يغمس فيه الطعام.

وهذا الوصف يجمع بين الغذاء والنفع، وهي صفات جعلت الزيتون من أكثر النباتات قيمة في حياة الإنسان القديم. ومن اللافت أن القرآن ذكر الزيتون في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (التين: 1)، وقوله: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ (النور: 35).

وهذا التكرار يشير إلى مكانتها الاقتصادية والغذائية والرمزية في حضارات الشرق القديم.

وهكذا فإن تخصيص طور سيناء في الآية يحمل أكثر من معنى: معنى جغرافي يتعلق بموطن الشجرة، ومعنى تاريخي يرتبط بالأرض التي شهدت الوحي، ومعنى رمزي يربط بين بركة المكان وبركة النبات.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *