الحيوان في القرآن الكريم.. “الذئب” المفترس البريء رمزًا لظلم القريب للقريب

بقلم/ سامي المرسي كيوان
حين يَرِدُ ذكرُ الذئب في القرآن الكريم، فإنه لا يأتي في سياقٍ بيولوجيٍّ يصف أنيابه ومخالبه فحسب، ولا في إطار حكايةٍ عن حيوانٍ مفترسٍ يجوب الفلوات، بل يأتي محمَّلًا بدلالةٍ أخلاقيةٍ وإنسانيةٍ عميقة. فالقرآن لا يُعنَى بالذئب بوصفه كائنًا غابويًّا فقط، وإنما بوصفه عنصرًا في قصةٍ إنسانيةٍ كبرى، هي قصة نبيٍّ كريم يوسف عليه السلام، كما وردت في سورة يوسف.
لم يُذكر الذئب في القرآن إلا مرةً واحدة، في قول إخوة يوسف لأبيهم:
﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظونَ﴾… ثم بعد أن ألقوه في الجبّ عادوا يقولون: ﴿وَما أَنتَ بِمُؤمِنٍ لَنا وَلَو كُنّا صادِقينَ * وَجاءوا عَلى قَميصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَل سَوَّلَت لَكُم أَنفُسُكُم أَمرًا فَصَبرٌ جَميلٌ﴾، وكان قد قال من قبل: ﴿إِنّي لَيَحزُنُني أَن تَذهَبوا بِهِ وَأَخافُ أَن يَأكُلَهُ الذِّئبُ وَأَنتُم عَنهُ غافِلونَ﴾.
الذئب بين الحقيقة والذريعة : الذئب هنا لم يكن فاعلًا حقيقيًّا في القصة، بل كان ذريعةً اختلقها الإخوة ليستروا جريمتهم. لقد اختاروا الذئب لأن صورته في المخيال البشري تقترن بالافتراس والمباغتة، ولأنه أقرب تفسيرٍ تقبله النفس في بيئةٍ رعويةٍ تعيش قرب البراري. وهكذا تحوّل الذئب إلى ستارٍ يغطي حسدًا دفينًا وكيدًا أخويًّا مريرًا.
ومن اللافت أن القرآن لم يصف الذئب بصفةٍ مباشرة؛ لم يقل إنه غادر أو شرير، ولم يُفصّل في طباعه، بل ترك الصورة كما هي في الواقع: حيوان مفترس بطبيعته. فالافتراس فيه غريزة، لا خيانة. أما الخيانة فجاءت من البشر، لا من الذئب.
المفترس البريء: هنا يبرز بُعدٌ دقيق: الذئب في القصة بريءٌ من دم يوسف. لقد لُفِّق له الاتهام، واستُخدم اسمه لتبرير الجريمة. وفي هذا درسٌ أخلاقيٌّ عميق؛ فكم من بريءٍ يُحمَّل وزر غيره لأن صورته النمطية تهيئ لقبول التهمة! إن القرآن يعيد ترتيب المسؤولية: الوحش الحقيقي لم يكن في الغابة، بل في القلوب التي امتلأت حسدًا.
دلالة الخوف الأبوي : قول يعقوب عليه السلام: ﴿وَأَخافُ أَن يَأكُلَهُ الذِّئبُ﴾ يعكس خوف الأب الطبيعي على ابنه. الذئب هنا رمزٌ للخطر الخارجي، لما قد يهدد البراءة من خارجها. لكن المفارقة أن الخطر جاء من الداخل، من إخوة الدم. وكأن النص يلمّح إلى أن أعظم الأخطار ليست دائمًا تلك التي نخشاها في البراري، بل تلك التي تنمو في النفوس.
كما أراد الله أن يوصف : لم يُقدّم القرآن الذئب شيطانًا مطلقًا، ولم يُنزهه عن طبيعته المفترسة؛ بل عرضه في حدّه الفطري. فالافتراس فيه جزء من نظام الحياة الذي أوجده الله. إنما الإدانة الأخلاقية لم تتجه إليه، بل إلى الإنسان الذي استغل صورته ليغطي فعلته. وهكذا يضع القرآن ميزانًا دقيقًا: الطبيعة ليست موضع لوم، وإنما اللوم في انحراف الإرادة البشرية.
الذئب في القرآن ليس بطل القصة، ولا هو محور الحدث، لكنه ظلّ رمزًا كثيف الدلالة. ذُكر مرةً واحدة، فحمل في ذكره معاني الخوف، والكذب، والافتراء، والمفارقة بين الغريزة الحيوانية والانحراف الإنساني. ومن هذا الذكر العابر نتعلم أن الوحشية ليست في الأنياب وحدها، بل قد تسكن القلب إذا فقد صفاءه.
وهكذا، حين نتأمل الذئب كما أراد الله أن يُذكر، ندرك أن القرآن لا يحاكم الحيوان، بل يحاكم الإنسان؛ ولا يصف المفترس لذاته، بل ليكشف ما هو أخطر من الافتراس: ظلم القريب للقريب.
English 



























































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































