# Tags
#ثقافة وفن

الهمزة واللمزة.. سلوك اجتماعي مشين يهدد صاحبه بالويل يوم القيامة

بقلم/سامي المرسي كيوان

في مطلع سورة الهمزة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. وهذه الآية القصيرة تحمل معنى أخلاقيًا عميقًا، لأنها تتحدث عن نوع من البشر يعيش على أذى الآخرين بالكلمة أو بالإشارة.

الهمزة في اللغة هو الإنسان الذي يطعن في الناس ويعيبهم غالبًا في غيابهم. قد يكون ذلك بالقول المباشر، أو بالسخرية الخفية، أو بإظهار العيوب والبحث عنها. فالهمّاز يكثر من ذكر الناس بالسوء، ويستمتع بتشويه سمعتهم أو التقليل من شأنهم.

أما اللمزة فهي قريبة المعنى، لكنها غالبًا تشير إلى الطعن في الناس بالإشارة أو السخرية الظاهرة؛ كأن يغمز بعينه، أو يلمز بيده، أو يتهكم بتعابير وجهه وكلماته. فهي صورة من صور الاحتقار أو الاستهزاء بالآخرين.

وقد فرّق بعض المفسرين بينهما فقالوا: الهمزة بالقول والغيبة، واللمزة بالإشارة والسخرية. وقال آخرون إن الهمزة تكون في الغياب، واللمزة تكون في الحضور، لكن المعنى العام يجمعهما: إيذاء الناس واحتقارهم والتشفي في عيوبهم.

ومن لطائف التعبير القرآني أن الآية بدأت بكلمة “ويل”، وهي وعيد شديد يدل على أن هذا السلوك ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل خلق مذموم يفسد المجتمع ويزرع العداوة بين الناس. فالإنسان الذي يعتاد السخرية والطعن في الآخرين يهدم الثقة بين البشر، ويحول الحياة إلى ساحة للشماتة والانتقاص.

ولهذا جاء التحذير القرآني واضحًا: إن الكلمة الجارحة، أو الإشارة الساخرة، أو الغمز واللمز بين الناس ليست أمرًا بسيطًا، بل هي خلق قبيح يناقض الكرامة الإنسانية التي دعا إليها القرآن.

وبكلمات قليلة رسم القرآن صورة إنسان يعيش على التحقير والاستهزاء، ثم ختم السورة ببيان مصيره إن لم يتب، في تذكير بأن اللسان والأخلاق مسؤولية أمام الله.

سورة الهمزة من السور المكية القصيرة في القرآن الكريم، وقد اهتم المفسرون ببيان سبب نزولها لما تحمله من توبيخ شديد لمن يعتاد السخرية من الناس واحتقارهم.

لم يرد سبب نزول واحد متفق عليه بشكل قاطع، لكن كتب التفسير نقلت عدة روايات تشير إلى أن السورة نزلت في بعض رجال قريش الذين اشتهروا بالطعن في الناس والاستهزاء بهم. فقد ذكر المفسرون أن الآية ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ جاءت لتفضح هذا الخلق الذميم الذي كان موجودًا في المجتمع المكي، حيث كان بعض المتكبرين من أصحاب المال والنفوذ يلمزون الفقراء والضعفاء ويستهزئون بالمؤمنين الأوائل.

ومن الروايات المشهورة أن السورة نزلت في رجل من سادة قريش كان يكثر من الطعن في الناس ويعيبهم في غيابهم وحضورهم، وقد ذكر بعض المفسرين أنه الأخنس بن شريق، إذ كان معروفًا بحدة اللسان والاستهزاء بالآخرين. وروي كذلك أنها نزلت في الوليد بن المغيرة، أحد كبار قريش، وكان من الذين عُرفوا بالكبرياء والتعالي على الناس. وهناك روايات أخرى تشير إلى أنها نزلت في جميل بن عامر الجمحي الذي كان يعيب الناس ويغتابهم.

غير أن كثيرًا من العلماء، ومنهم ابن كثير والطبري، يرون أن هذه الروايات إنما تُذكر على سبيل التمثيل لا الحصر، أي أن السورة لا تختص بشخص واحد بعينه، بل نزلت لتصف نموذجًا من البشر يتكرر في كل زمان: الإنسان الذي يجمع المال ويتكبر به، ثم يجعل من لسانه أداة للطعن في الناس واحتقارهم.

ولهذا نجد أن أسلوب السورة جاء بصيغة عامة: “لكل همزة لمزة”، ولم يقل لشخص محدد، وكأن القرآن يريد أن يقرر قاعدة أخلاقية عامة مفادها أن الاستهزاء بالناس والبحث عن عيوبهم خلق مذموم يستحق الوعيد.

ومن خلال هذا المعنى يتضح أن السورة ليست مجرد حديث عن حادثة تاريخية، بل هي رسالة أخلاقية دائمة تحذر الإنسان من آفة اللسان والتكبر بالمال، وتذكره بأن الكرامة الحقيقية ليست في الثروة ولا في المكانة، وإنما في سلامة القلب واحترام الآخرين.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *