برد اليقين.. دليل أن قوانين الكون ليست مستقلة بل خاضعة لمن خلقها
بقلم/ سامي المرسي كيوان
قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام مع النار من أبلغ مشاهد التوحيد في القرآن الكريم، ومن أعمق صور الصراع بين الإيمان الخالص والسلطة الوثنية المتجبرة.
كان إبراهيم شابًا يحمل قلبًا عامرًا باليقين، يقف في وجه قومٍ عبدوا الأصنام، ورأوا في حجارةٍ صماء آلهة ترزق وتغضب وتنتصر. حاجَّهم بالحجة، وكسر أصنامهم ليوقظ ضمائرهم، فلما عجزوا عن الردّ لجأوا إلى القوة. قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: 68).
هنا تتجلى طبيعة الطغيان: حين تُهزم الفكرة، يُستدعى العنف. جمعوا الحطب، وأوقدوا نارًا عظيمة، حتى قيل إنها لم تُرَ مثلها. ثم ألقوا إبراهيم فيها. في تلك اللحظة، كان المشهد ـ في ظاهره ـ نهاية رجلٍ أعزل أمام لهيبٍ لا يرحم. لكن السماء كان لها قولٌ آخر حيق يقول الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: 69).
إنها آية تهزّ الوعي: النار بطبيعتها تحرق، لكن الطبيعة نفسها تخضع لأمر الله. لم تُطفأ النار، ولم يخرج إبراهيم منها قبل اشتعالها، بل بقيت نارًا… إلا أنها لم تحرق. كانت بردًا، لكن بردًا لا يؤذي، بل سلامًا.
ويذكر القرآن موضعًا آخر من هذه القصة في سورة الصافات، حيث قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ (الصافات: 97)، ثم كانت العاقبة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (الصافات: 98).
النار هنا ليست مجرد لهبٍ مادي، بل امتحان وجودي. إبراهيم لم يكن يملك سلاحًا ولا عشيرة تحميه، لكنه كان يملك يقينًا. والنار حين تواجه اليقين تتحول من أداة قتل إلى شاهد على قدرة الله.
وفي القصة رسالة خالدة: أن من استمسك بالحق، ولو اجتمع عليه الناس، فإن الله كافيه. وأن قوانين الكون ليست مستقلة بذاتها، بل خاضعة لمن خلقها.
إن مشهد إبراهيم في النار هو مشهد الإنسان حين يُحاصر من كل جانب، فلا يرى إلا لهيبًا أمامه، لكنه يُفاجأ بأن في قلب النار رحمةً خفية، وأن الشدة قد تكون طريق النجاة.
English 













































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































