# Tags
#ثقافة وفن

جزيرة استسلمت بالقوة.. حكاية لابوان الاستراتيجية

كتب:عبدالرحمن ابراهيم

بينما كانت القوى الأوروبية تتوسع في آسيا بين أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فرضت ما يُعرف بـ”المعاهدات غير المتكافئة” على العديد من الدول، ممزقة بذلك سيادتها ومحددة مصيرها على بساط القوة.

الصين في عهد سلالة تشينج، واليابان خلال فترة شوغونية توكوجاوا، ومملكة جوسون في شبه الجزيرة الكورية، جميعها شهدت هذا التدخل العنيف، الذي أخرس صوت الدول الصغرى وجعلها تقدم أراضيها ومواردها عنوةً أو تحت تهديد المدافع والسفن الحربية.

في هذا المشهد، وقعت سلطنة بروناي عام 1846 تحت وطأة القوة البريطانية، متخلية عن جزيرة لابوان الاستراتيجية. الجزيرة، رغم قلة سكانها الدائمين، كانت حاضنة للتجار الصينيين والمالايو، مكاناً يلجأون إليه من العواصف، وحلقة وصل في طريق التجارة الممتد بين الصين وبروناي ومانيلا. مع سيطرة الإسبان على مانيلا، ازدادت أهمية لابوان، وأصبح التجار يتوافدون إليها لتأمين المياه والفحم، بينما كانت السلطات المحلية تفرض على مرورهم رسومها.

لكن لابوان لم تكن مجرد محطة تجارية؛ لقد كانت مفتاحاً استراتيجياً بيد من يسيطر عليها. فخلال القرن الثامن عشر، تعرضت بروناي لهجمات متكررة من القراصنة، وعرضت الجزيرة أكثر من مرة على البريطانيين مقابل حماية سواحلها. في البداية، رفض البريطانيون، معتبرين العرض غير مجدٍ، لكن مع مرور الوقت، ومع انتشار النفوذ الأوروبي في أقصى شرق آسيا، أصبحت لابوان هدفاً لا يُفوّت. بريطانيا رأت فيها قاعدة بحرية لحماية مصالحها التجارية في الصين، ومنع أي دولة أوروبية أو الولايات المتحدة من السيطرة عليها.

وبعد مفاوضات مطولة ومماطلة من سلطان بروناي عمر علي سيف الدين، جاءت السفن الحربية البريطانية ملوحة بالمدافع، كأنها تقول: “القبول أو القصف”. استسلم السلطان، وتحولت الجزيرة إلى ملكية بريطانية.

لم تمضِ أيام طويلة حتى توجه المستثمرون البريطانيون لاستغلال مناجم الفحم التي ذُكر أنها غنية بالثروات، جالبين معداتهم وعمالاً صينيين للعمل في الحفر والتنقيب. لكن سرعان ما تبخرت أحلامهم؛ فالفحم هش، ضعيف، يتحول سريعاً إلى رماد، والمناجم تغمرها مياه الأمطار، بينما لا توجد وسائل نقل لتسهيل عملية استخراجه. مع انخفاض الطلب وارتفاع التكاليف، انسحب المستثمرون تاركين معداتهم، ليحل الصينيون الذين عملوا في المناجم كالتجار الأذكياء، مستفيدين من مرور السفن الأوروبية، وبذلك استمر نبض الحياة في لابوان، رغم كل الطموحات البريطانية الكبيرة.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *