# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الكلب” رمز للوفاء والإخلاص ومثال للانسلاخ من الحق

بقلم / سامي المرسي كيوان

حين نتأمل ذكر الكلب في القرآن الكريم، نراه ليس حيوانًا مهمّشًا أو عابرًا في السياق، بل يظهر الذكر في موضعين دالّين، لكل منهما رمزيته ومعناه العميق. واللافت أن القرآن لا يقدّم الكلب في صورة واحدة، بل يضعه مرة في مقام الوفاء والحراسة، ومرة في مقام التشبيه البلاغي لمن انسلخ من الهداية. وهنا تتجلى البلاغة القرآنية التي توظّف الحيوان رمزًا، لا ازدراءً لخلقه، بل كشفًا لحال الإنسان.

أولًا: كلب أصحاب الكهف:

ورد ذكر الكلب في قصة أصحاب الكهف في سورة الكهف، في قوله تعالى: “وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ” (الكهف: 18)

هذه الإشارة الموجزة تحمل دلالات واسعة. فالكلب هنا رفيقٌ لجماعة مؤمنة فرت بدينها من بطش الملك، وهو باسط ذراعيه على باب الكهف، في هيئة الحارس الأمين. لم يكن الكلب نبيًّا ولا مكلّفًا، لكنه ارتبط بالصالحين، فخلّد القرآن ذكره معهم.

يرى بعض المفسرين أن في ذلك إشارة إلى أثر الصحبة، فحتى الحيوان إذا جاور أهل الإيمان ذُكر بخير. واللافت أن القرآن لم يذكر اسمه ولا لونه، ولم ينشغل بالتفاصيل التي خاض فيها بعض أهل الأخبار، بل اكتفى بإبراز موقعه: عند الوصيد، أي باب الكهف، في حالة يقظة رمزية.

وهنا تتجلى قيمة الوفاء؛ فالكلب رمز معروف للإخلاص لصاحبه، فجاء حضوره في القصة منسجمًا مع طبيعته الفطرية.

ثانيًا: التشبيه في سورة الأعراف

الموضع الثاني في سورة الأعراف، في قوله تعالى:

“وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا… فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث” (الأعراف: 175-176)

هنا لا يُذكر الكلب لذاته، بل كمثلٍ بلاغيّ. والآية تصف إنسانًا أُوتي العلم والآيات، ثم انسلخ منها واتبع هواه. فشبّه حاله بالكلب الذي يلهث في كل حال، مطرودًا أو متروكًا.

الكلب يلهث لطبيعته الجسدية وتنظيم حرارته، فهو دائم اللهث تقريبًا. فجاء التشبيه ليصور حالة نفسية: إنسان تحكمه الشهوة فلا يرتدع، سواء وُعظ أم لم يُوعظ.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أن القرآن لم يذمّ الكلب كحيوان، وإنما استخدم حالته الطبيعية مثالًا لحالة إنسانية منحرفة. فالتشبيه منصبّ على السلوك البشري، لا على الحيوان.

بين الرمز والحقيقة :

الكلب في القرآن إذن ليس موضوعًا فقهيًا في هذين الموضعين، بل هو رمز أخلاقي وسياقي. مرةً يُذكر في مقام الصحبة الصالحة والوفاء، ومرة يُستحضر كمثال بلاغي لحالة الانسلاخ من الحق.

وليس في القرآن تحقير لخلق الله، بل كل مخلوق له وظيفته في ميزان الحكمة. والكلب، كغيره من الكائنات، أمة من الأمم كما في قوله تعالى: “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ… إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم” (الأنعام: 38)

إن تأملنا هذا الحضور القرآني يجعلنا نفهم أن القيمة ليست في الصورة الظاهرة، بل في المعنى الذي يُراد إيصاله. فالإنسان قد يرتفع بالإيمان حتى تخلّد قصته، وقد ينحطّ باتباع الهوى حتى يُضرب به المثل.

وهكذا يبقى الكلب في القرآن شاهدًا على بلاغة التنزيل، وعلى أن الهداية والضلال شأن إنساني، لا حيواني.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *