# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الهدهد” صاحب رسالة ورمز للباحث عن الحق

بقلم/ سامي المرسي كيوان

الهدهد طائر صغير الحجم، جميل الهيئة، مميز بتاجٍ من الريش يعلو رأسه كأنه إكليل، وبمنقار طويل دقيق يبحث به في التراب عن رزقه، ويُعرف في العربية بصوته وهيئته أكثر مما يُعرف بضخامته أو قوته. ومع ذلك، فإن هذا الطائر الضعيف في حجمه، كان في القرآن الكريم صاحب دور عظيم، ووسيطًا في قصة من أعظم قصص الملك والنبوة.

موضع الهدهد في القرآن

ورد ذكر الهدهد في سورة واحدة هي سورة النمل، في سياق الحديث عن ملك الله لنبيّه سليمان عليه السلام، وما آتاه الله من تسخير الجن والإنس والطير، وفهم منطقها. حيث يقول الله تعالى:

﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ (النمل: 20)

في هذا المشهد، نرى نبيًّا ملكًا يتفقد جنوده، فلا يغيب عنه طائر صغير. هنا تتجلّى قيمة النظام والمساءلة؛ فالهدهد ليس كائنًا هامشيًا، بل عنصرًا من عناصر منظومة متكاملة.

ثم يتوعده إن لم يأت بعذر بيّن:

﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (النمل: 21)

لكن الهدهد لم يكن غائبًا عبثًا، بل جاء بخبر عظيم غيّر مجرى الأحداث.

الهدهد رسول الحقيقة

عاد الهدهد بخبر لم يكن يعلمه سليمان، قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ (النمل: 22)

يا لها من عبارة! طائر صغير يخاطب نبيًّا ملكًا بهذه الثقة، لا من باب التحدي، بل من باب أداء الأمانة. لقد رأى قومًا في أرض سبأ، تحكمهم امرأة، ولهم حضارة وعرش عظيم، لكنهم يسجدون للشمس من دون الله.

ذكر القرآن ملكة سبأ ولكن جاء اسمها في كتب التفسير بـ”بلقيس”، وقد وصف الهدهد عرشها بأنه عظيم، مما يدل على قوة ملكها.

الهدهد هنا لم يكن مجرد ناقل خبر، بل كان صاحب بصيرة عقدية؛ فقد استنكر الشرك، وقال:

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النمل: 25)

الدلالات العميقة

قصة الهدهد تحمل معاني كبيرة، لعل من أبرزها:

قيمة المعلومة الصادقة: فقد غيّرت رسالة الهدهد مجرى أمة بأكملها.

أن الحق قد يحمله الضعيف: فليس العبرة بالحجم أو المنصب، بل بالبصيرة.

الرقابة والمساءلة: سليمان يتفقد، والهدهد يُحاسَب.

الدعوة بالحكمة: إذ أرسل سليمان رسالة، ولم يبدأ بحرب.

وقد انتهت القصة بإسلام بلقيس وقومها، ودخولهم في عبادة الله وحده، بعد حوار راقٍ قائم على البرهان.

لماذا اختير الهدهد؟

تذكر كتب التفسير أن الهدهد كان يُعرف بقدرته على الاهتداء إلى مواضع الماء في الصحراء، وكأن في ذلك إشارة رمزية: فهو الذي اهتدى إلى “ماء الحقيقة” في أرض عطشى إلى التوحيد.

وفي هذا المعنى، يصبح الهدهد رمزًا للباحث عن الحق، وللرسول الذي يحمل النور ولو كان جناحاه صغيرين.

الهدهد في القرآن ليس مجرد طائر، بل شاهد على أن الرسالة قد تأتي من حيث لا نحتسب، وأن الله يسخّر أضعف خلقه لنصرة أعظم القضايا.

وفي عالم يموج بالضجيج، يظل صوت الهدهد تذكيرًا بأن الكلمة الصادقة قد تغيّر مصير أمة بأسرها.

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *