# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “النمل” شاهد على العلم والتنظيم والدقة والرحمة

بقلم/ سامي المرسي كيوان

 حين يذكر القرآن الكريم مخلوقًا صغيرًا كالنملة، فإنه لا يذكره عبثًا، ولا يورده على سبيل الحكاية المجردة، بل يجعله نافذة نتأمل منها عظمة الخلق، ودقة النظام، وروعة التدبير الإلهي.

فالنمل، ذلك الكائن الدقيق الذي يكاد يُدهس تحت الأقدام، يتحول في النص القرآني إلى شاهد على العلم، والتنظيم، والتواصل، بل وعلى الرحمة أيضًا.

يأتي ذكر النمل صريحًا في سورة كاملة سُمّيت باسمه، هي سورة النمل، وفيها قصة مدهشة ترتبط بنبي الله سليمان عليه السلام. يقول تعالى: ﴿حَتّى  إِذا أَتَوا عَلى  وادِ النَّملِ قالَت نَملَةٌ يا أَيُّهَا النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمانُ وَجُنودُهُ وَهُم لا يَشعُرونَ﴾ (النمل: 18).

في هذه الآية القصيرة، تتجلّى معانٍ عميقة. أولها أن للنمل نظامًا اجتماعيًا متماسكًا، فهناك “وادي النمل”، أي مجتمع منظم، له مساكن وحدود. وثانيها أن للنملة قدرة على التواصل والتحذير؛ فهي تُنادي قومها بلغة مفهومة، تحذرهم من خطر داهم. وثالثها أن هذا التحذير يتسم بالعدل؛ فهي تقول: “وهم لا يشعرون”، فتقرر أن الضرر – إن وقع – لن يكون عن قصد. إنها شهادة إنصاف من مخلوق ضعيف لنبي عظيم.

ويتابع القرآن المشهد بقوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَولِها﴾، فيظهر جانب الرحمة في شخصية سليمان عليه السلام، إذ لم يغضب، ولم يتكبر، بل تبسم إعجابًا بهذا المخلوق الصغير الذي يحمل عقلًا مدبرًا وشعورًا بالمسؤولية.

دلالات ذكر النمل :

 إن ذكر النمل في القرآن الكريم يفتح أمامنا أبوابًا من التأمل:

أولًا: قيمة التنظيم والعمل الجماعي: النمل يعيش في مجتمعات دقيقة التنظيم، تتقاسم الأدوار بين العاملات والجنود والملكة، في صورة تعكس سنّة التعاون التي تقوم عليها الحياة.

ثانيًا: أهمية التواصل والتحذير: النملة لم تكتفِ بالنجاة الفردية، بل بادرت إلى إنقاذ الجماعة، وكأنها تقول إن النجاة الحقيقية لا تكون فردية بل جماعية.

ثالثًا: العدل في الحكم: قولها “وهم لا يشعرون” يعلّم الإنسان ألا يُسارع باتهام الآخرين بسوء النية، بل يلتمس العذر ما استطاع.

رابعًا: العلم الإلهي المحيط بكل شيء: فالقرآن يلفت نظر الإنسان إلى مخلوق قد يراه حقيرًا، ليبين أن في أصغر الكائنات آيات لا تقل عن آيات السماوات والأرض.

النمل بين العلم والقرآن

لقد كشف العلم الحديث أن للنمل وسائل تواصل كيميائية معقدة (الفيرومونات)، وأن له نظمًا هندسية دقيقة في بناء مساكنه، وأنه يتصرف بوعي جماعي مذهل. وهذه الاكتشافات تجعل الآية أكثر إشراقًا في عيون المؤمن؛ إذ يرى توافقًا بين البيان القرآني والحقيقة الكونية.

لكن الغاية من الذكر ليست الإعجاز العلمي فحسب، بل التربية الوجدانية والأخلاقية. فالنملة تعلمنا أن الصغر لا يعني انعدام القيمة، وأن القوة ليست في الحجم بل في النظام والوعي.

حين نتأمل ذكر النمل في القرآن، ندرك أن الرسالة لا تُقاس بضخامة المخلوق، بل بعمق الدلالة. فالنملة الصغيرة أصبحت رمزًا للعقل الجمعي، وللتحذير الرحيم، وللعدل في القول. وكأن القرآن يقول للإنسان: إن كنتَ ترى نفسك عظيمًا، فانظر إلى هذه النملة؛ فيها من النظام ما قد تفتقده، وفي قولها من الإنصاف ما قد يغيب عنك.

وهكذا يظل ذكر النمل في القرآن بابًا مفتوحًا للتفكر، يردّ الإنسان إلى تواضعه، ويذكره بأن في أصغر الكائنات آيات لمن أراد أن يبصر.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *