# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الخيل” آية من آيات التناسق بين الجسد والروح

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين تُذكر الخيل في القرآن الكريم، فإنها لا تُذكر كحيوانٍ عابرٍ في مشهدٍ طبيعي، بل كقيمةٍ جمالية، وقوةٍ دفاعية، وآيةٍ من آيات التناسق بين الجسد والروح. إنها كائنٌ يجمع بين العنفوان والوفاء، بين الصهيل والسكينة، بين العدو في ساحة القتال والخضوع في يد صاحبه.

موطن الجمال والزينة حيث يقول الله تعالى:﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (النحل: 8)

هنا تُذكر الخيل في سياق النعمة. فهي وسيلة انتقال، لكنها كذلك زينة. واللافت أن القرآن لم يختزلها في المنفعة فقط، بل أضاف بعدها الجمالي. فالخيل ليست مجرد أداة، بل حضورٌ مهيب في المشهد الإنساني، تسرّ الناظر وتُشعره بالعزة.

موطن القوة والإعداد وفي سياق آخر، يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾(الأنفال: 60)

الخيل هنا رمز الاستعداد والجاهزية. كانت عماد القوة العسكرية في الزمن القديم، فرباط الخيل يعني إبقاءها مهيأة للذود عن الأمة. ولم يكن المقصود تمجيد الحرب، بل تمجيد اليقظة. فالقوة في منطق القرآن وسيلة لحفظ الحق، لا لفرض الباطل.

قسم إلهي بصهيلها وفي سورة كاملة تحمل صورة اندفاعها، يقول تعالى:

﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾(العاديات: 1)

أقسم الله بالخيل حين تعدو، يعلو صوت أنفاسها، وتضرب بحوافرها الأرض فتقدح شررًا. مشهدٌ سمعي بصري حيّ، يلتقطه النص القرآني ليجعل من حركة الخيل دلالة على النشاط والقوة والاندفاع. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن “العاديات” هي الخيل في الغزو.

في تفسير ابن كثير وتفسير الطبري إشارات إلى هذا المعنى، مع تصويرٍ بليغ لصوتها وأنفاسها وهي تنطلق في ساحة المعركة.

الخيل ونبي الله سليمان

ومن أبهى المشاهد ما ورد في قصة نبي الله سليمان عليه السلام: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾(ص: 31)

الخيل هنا “صافنات” أي واقفات على ثلاث قوائم رافعات الرابعة، و”جياد” أي سريعة قوية. أحبها سليمان حبًا في الله، حبًا يوظف الجمال في خدمة الرسالة. لكن حين شغلته عن الذكر، تنبّه وردّ الأمر إلى نصابه. في هذا المشهد توازنٌ دقيق بين الشغف والانضباط.

بين الرمز والحقيقة

الخيل في القرآن ليست رمزًا للبطش، بل رمزًا للقوة المنضبطة. ليست زينة للغرور، بل زينة للنعمة. وليست حركةً بلا غاية، بل اندفاعًا في سبيل هدف مشروع.

وقد ارتبطت الخيل في الوجدان العربي بالكرامة والنخوة، فجاء القرآن يخاطب هذا الوجدان، لكنه يسمو به من العصبية القبلية إلى المسؤولية الأخلاقية.

إن ذكر الخيل في القرآن يعكس رؤية متكاملة: جمالٌ لا ينفصل عن المنفعة، قوةٌ لا تنفصل عن الأخلاق، واندفاعٌ لا ينفصل عن الضبط.

وهكذا تظل الخيل في النص القرآني صورةً للجسد حين يكون في خدمة الروح، وصوتًا للصهيل حين يُحسن الإنسان توجيهه.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *