# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الحمار” صورة تجسد معنى الهداية أو الغفلة

بقلم/ سامي المرسي كيوان

ليس الحمار في القرآن مجرد حيوان عابر في سياق الحكاية، ولا ظلًّا هامشيًّا في مشهد تاريخي قديم، بل هو كائن استُدعي ليكون رمزًا ودلالة، ومثالًا يُضرب، وصورة تُجسّد معنى من معاني الهداية أو الغفلة. وقد ورد ذكره في مواضع متفرقة من كتاب الله، في سياقات تتراوح بين التعليم والتحذير، وبين التذكير بنعمة التسخير والتنبيه إلى قبح الصوت إذا انفصل عن المعنى.

إن تأمل ذكر الحمار في القرآن يقودنا إلى فهم أعمق لفلسفة الخطاب القرآني ذاته؛ فالقرآن لا يذكر شيئًا عبثًا، ولا يستحضر صورة دون حكمة، ولا يضرب مثلًا إلا ليصنع في النفس أثرًا باقٍ لا يزول.

ورد  ذكر الحمار صراحة في ثلاثة مواضع رئيسة من القرآن الكريم:

الأول في سورة لقمان، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان: 19).

في هذا السياق يأتي الحمار مثالًا لصوتٍ يُستقبح حين يرتفع بلا ضابط، في إطار وصايا لقمان لابنه، حيث يُعلِّمه الاعتدال في المشي وخفض الصوت، فالمقصود ليس الحيوان ذاته، بل السلوك البشري حين يخرج عن حدّه.

أما في سورة الجمعة، قال الله تعالى:  ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (الجمعة: 5).

وهنا تأتي الصورة البلاغية حول الحمار؛ فهو يحمل الكتب الثقيلة فوق ظهره، لكنه لا يدرك ما فيها. إنه حملٌ بلا وعي، وثقل بلا فهم. والمقصود هنا ذمّ من أوتي العلم فلم يعمل به.

الثالث في سورة البقرة، في قصة الرجل الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ (البقرة: 259).

في هذا المشهد العجيب، يصبح الحمار شاهدًا على القدرة الإلهية في الإحياء بعد الموت، حيث أراه الله كيف يُعيد خلقه أمام عينيه.

هذه المواضع الثلاثة تكشف لنا تنوع الدلالة: بين المثل، والتوجيه الأخلاقي، والمعجزة الكونية.

وسيلة نقل : قبل أن يكون رمزًا، كان الحمار نعمة مسخرة. فقد قال تعالى في سورة النحل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (النحل: 8).

يأتي الحمار في هذا السياق  ضمن منظومة التسخير الإلهي، حيث خُلقت هذه الدواب لتكون عونًا للإنسان في أسفاره، وحمل أثقاله، وتيسير معاشه. وفي البيئات القروية والجبليّة، ظل الحمار عبر القرون رفيق الفلاح والتاجر والرحالة، يقطع المسافات بصبر عجيب، ويحتمل ما لا يحتمله غيره.

لأن الحمار، في المجتمعات القديمة، مركبة الفقير، ووسيلة العابر، وأداة الرزق اليومي. وليس في القرآن احتقار لوسائل البسطاء، بل تذكير بنعمة الله في تسخيرها.

والتاريخ يتحدث عن أن بعض الأنبياء تنقلوا على الحمير في أسفارهم، إذ لم يكن ذلك نقصًا في مقامهم، بل تواضعًا في سلوكهم، واقترابًا من الناس في حياتهم اليومية. فالنبي ليس ملكًا يركب السحاب، بل بشر يمشي في الأسواق ويأكل الطعام، ويركب ما يركبه الناس.

قد يُساء فهم ذكر الحمار في القرآن على أنه انتقاص، لكن التدبر يكشف غير ذلك. فحين يُضرب به المثل في سورة الجمعة، فالمذموم هو الإنسان الذي لم يعمل بعلمه، لا الحيوان الذي يقوم بوظيفته على أكمل وجه. وحين يُذكر صوته في سورة لقمان، فالمقصود تنبيه الإنسان إلى قبح الصراخ والغلظة.

بل إن الحمار، في أدائه لوظيفته، أكثر وفاءً من كثير من البشر. فهو يحمل ولا يعترض، ويصبر ولا يشكو، ويؤدي ما عليه دون ادعاء. إن التقريع موجه إلى من تخلى عن إنسانيته، لا إلى الحيوان الذي لم يُكلّف أصلًا.

إن القرآن لا يعلّم العقيدة فقط، بل يهذب الحركات والنبرات. فالصوت مرآة الداخل، ومن امتلأ قلبه سكينةً خرج كلامه هادئًا موزونًا.

إن الهدف من ذكر الحمار في القرآن ليس رسم صورة حيوانية، بل بناء معنى أخلاقي وفكري. فالقرآن يخاطب الإنسان من خلال مشاهد مألوفة في بيئته. والحمار كان جزءًا من الحياة اليومية للعرب، فكان المثال أقرب إلى أذهانهم وأوقع في نفوسهم.

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *