# Tags
#ثقافة وفن

انشقاق القمر في القرآن الكريم بين الإشارة الكونية والدلالة الإيمانية

بقلم/ سامي المرسي كيوان

ورد ذكر انشقاق القمر في قوله تعالى في سورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: 1).هذه الآية القصيرة أثارت عبر القرون كثيرًا من التأمل والتفسير، لأنها تجمع بين الإشارة الكونية والدلالة الإيمانية في آنٍ واحد. وقد تناولها العلماء والمفسرون بعدة أوجه، أهمها وجهان رئيسيان: التفسير التاريخي المعجز، والتفسير الرمزي أو الكوني.

ذهب جمهور المفسرين من علماء الإسلام إلى أن انشقاق القمر كان معجزة حسية وقعت في زمن النبي محمد ﷺ. فقد طلب بعض مشركي مكة من النبي آية تدل على صدق رسالته، فأراهم الله هذه الآية العجيبة، فانشق القمر حتى رُوي أنه صار فلقتين، ورأى الناس بينهما جبل حراء.

وقد وردت هذه الروايات في كتب الحديث، مثل ما رواه عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة، حيث قال: “انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين”.

ويرى المفسرون أن الآية جاءت بصيغة الماضي (انشق) للدلالة على أن الحدث قد وقع بالفعل، وأنه كان علامة إلهية على صدق الرسالة.

ومع ذلك فإن القرآن يذكر موقف المعاندين بقوله: ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ (القمر: 2).أي أنهم رغم رؤية الآية لم يؤمنوا بها، بل نسبوها إلى السحر.

بعض المفسرين والباحثين رأوا احتمالًا آخر، وهو أن الآية قد تشير إلى حدث كوني عظيم مرتبط باقتراب القيامة.

فالجملة بدأت بعبارة “اقتربت الساعة”، مما دفع بعضهم إلى اعتبار انشقاق القمر من علامات نهاية العالم التي ستقع في المستقبل. غير أن هذا الرأي أقل انتشارًا في التفسير التقليدي، إذ إن معظم الروايات تشير إلى أن الانشقاق حدث بالفعل في زمن الرسالة.

حتى مع قبول وقوع المعجزة، فإن للآية بعدًا رمزيًا عميقًا. فالقرآن كثيرًا ما يستخدم الظواهر الكونية لتذكير الإنسان بقدرة الله، فالقمر الذي يراه الناس كل ليلة ثابتًا في السماء قد يصبح فجأة منشقًا، في إشارة إلى أن نظام الكون نفسه ليس ثابتًا أمام إرادة الخالق.

وهكذا تتحول الآية إلى رسالة روحية: أن العالم الذي يراه الإنسان مستقراً يمكن أن يتغير في لحظة، وأن الساعة التي تبدو بعيدة قد تكون أقرب مما يتخيل البشر.

يمكن فهم انشقاق القمر في القرآن على أنه: معجزة وقعت في زمن النبي محمد ﷺ لتأكيد صدق الرسالة. آية كونية تذكّر بقدرة الله على تغيير نظام الكون.

إشارة مرتبطة باقتراب الساعة وأهوال القيامة. وهكذا يجمع النص القرآني بين التاريخ والعقيدة والرمز الكوني في عبارة واحدة قصيرة، جعلت القمر ـ ذلك الجرم الهادئ في السماء ـ يتحول إلى علامة على قدرة الله وحدود المعرفة البشرية.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *