يُعد الدور الوطنى للمرأة المصرية قصة كفاح ممتدة عبر العصور ، فنضالها من أجل الوطن لم يكن وليد العصر الحديث ، بل له جذور عميقة في التاريخ المصرى ، حيث حملت على عاتقها مسؤلية النهوض بمجتمعها فهى جزء من تاريخ مصر منذ فجر الحضارة المصرية القديمة ، إذ وصلت إلى أعلى المناصب كملكة وكاهنة فحكت وعدلت ، وقادت الجيوش وانتصرت ، ونالت من الحقوق القانونية ما جعلها سيدة نفسها في وقت كانت فيه المرأة الأوربية مسلوبة من كل حقوقها بعيدة عما يحدث داخل مجتمعها .
-الصمود والحفاظ على الهوية :
ومع دخول المسيحية مصر واجهت المرأة المصرية الإضطهاد الرومانى حيث تجلى دورها الوطنى في العصر القبطى في الصمود والحفاظ على الهوية المصرية ، إذ كانت نموذجاً في التمسك بالدين والحفاظ على الهوية من خلال التمسك بعقيدتها ولغتها وثقافتها وعاداتها ، وبرزت النساء بشكل لافت في ميادين الإستشهاد دفاعاً عن الهوية والعقيدة ومن أبرزهن القديسة ” دميانة ” التى تُعد أيقونة الوطنية المصرية في هذا العصر ، إذ رفضت التخلى عن عقيدتها وهويتها المصرية أمام الإمبراطور الرومانى .
– نضال المرأة المصرية في رحاب الاسلام :
ثم جاء الإسلام ليضيف فصولاً جديدة من المجد ، حيث واصلت المرأة المصرية مسيرتها الوطنية ، ووجدت في تعاليم الدين ما يتوافق مع مكانتها التاريخية فشهد العصر الإسلامى شخصيات نسائية خالدة مثل شجر الدر التى اعتلت عرش مصر وقادت المعارك وخُطب لها على منابر المساجد في مختلف أنحاء مصر ودبرت خططاً سياسية هزمت بها الصليبين .
– دور المرأة المصرية إبان الحملة الفرنسية :
وتواصل ابنة النيل مسيرتها الوطنية مع بداية العصر الحديث ، حيث لعبت المرأة المصرية دوراً وطنياً أثناء الحملة الفرنسية ( 1798-1801م) ، من خلال خروجهن في المظاهرات ضد الفرنسيين إبان ثورة القاهرة الأولى وثورة القاهرة الثانية وتمويل المقاومة وتوفير المؤن للفدائيين وإخفائهم ، وإلقاء الزيت المغلى والماء الساخن من شرفات المنازل فوق رؤوس الجنود الفرنسيين علاوة على حفاظهن على الهوية المصرية من خلال تربية أطفالهن على حب الوطن ورفض التغلغل الثقافى الفرنسى التى حاول نابليون فرضه .
وتظهر شرارة الوعى السياسى للمرأة المصرية فعلياً في الثورة العرابية (1881-1882م) ، حيث أصبحت المرأة تمثل جهازاً اعلامياً ينقل أحداث وتفاصيل الثورة داخل البيوت ، كما ظهر دورهن كداعم إقتصادى أول حينما كان الجيش المصرى في حاجة لمساعدات مالية لشراء المؤن والأسلحة لمواجهة الانجليز حيث قدمت بعض السيدات ما لديهن من نقود وغلال وخيول ودواب ، وتطوعت آلاف النساء لخياطة الملابس العسكرية للجنود المصريين ، واستمر تأييدهن للثورة حتى بعد فشلها ونفى الزعيم أحمد عرابى ، إذ وقفت زوجات زعماء الثورة وفى مقدمتهن زوجة أحمد عرابى صامدات أمام الاحتلال البريطانى محافظات على روح المقاومة داخل أسرهن رغم ما تعرض له أزواجهن من سجن ونفى .
– المرأة المصرية إبان الاحتلال البريطانى :
إمتد دور المرأة الوطنى بعد ثورة عرابى وأصبح أكثر نضجاً ووعياً بمشاركتها في مؤتمرات الأحزاب السياسية ، وكانت المرة الأولى يوم 7 ديسمبر 1907م بحضور بعض النساء لدار اللواء وجلسن مع الحاضرين في ركن بعيد للإستماع للخطب الوطنية التى يلقيها مصطفى كامل ، وإمتد حضور المرأة المصرية ليشمل المؤتمرات السياسية خارج مصر ، حينما دعا محمد فريد بعض النساء لحضور مؤتمر بروكسل في 1910م لنصرة القضية المصرية والذى ألقت فيه (إنشراح شوقى)خطبة سياسية خاصة بالقضية المصرية ، مما أسهم في تعزيز الوعى الفكرى والوطنى لدى المرأة المصرية .
وعندما تُوفى زعيم الحركة الوطنية مصطفى كامل في 1908م حزنت عليه المرأة المصرية حزناً شديداً ، وأطلقت اسمه على أطفالهن الذكور كامل تخليداً لذكراه وظلت على ذلك لسنوات عديدة ، كما حفظن الكثير من الأشعار التى نُظمت في رثائه وما قام به من أعمال وطنية خالدة .
وفى أعقاب اغتيال بطرس غالى في 1910م على يد إبراهيم الوردانى لتعاونه مع الانجليز وموافقته على مد إمتياز شركة قناة السويس للشركات الأجنبية وحُكم على الوردانى بالإعدام وأُعدم في نفس السنة ، عم الحزن جميع بيوت مصر وإرتدت المرأة المصرية ثوباً أسود وقامت بعمل أنوال النسيج في البلاد لمدة سنوات على إخراج قماش أسود ينتهى بخطوط بنفسجى غامق وأُطلق على هذا القماش (حزن الوردانى) وإرتدت معظم السيدات ثوباً من هذا القماش ، وحينما قامت الحرب العالمية الأولى في 1914م وإستولت بريطانيا على ممتلكات المصريين وأخذت الكثير من الرجال والشباب المصريين إلى جبهات القتال لتخفيف العبء عن جيوش بريطانيا وحلفائها وقع العبء الأكبر على المرأة المصرية التى فقدت زوجها وإبنها في ميادين القتال أو أثناء أعمال السخرة وفقدانهم الدواب التى كانت تساعدهم في أعمال الحقل لإستيلاء الانجليز عليها وهذا مايدل على ثبات وشجاعة المرأة المصرية .
وظلت المرأة تناضل من أجل إستقلال بلادها ، حيث تحول الكثير منهن إلى فدائيات يدبرن ويخططن ويتعرضن للموت والتعذيب في سبيل الحرية والإستقلال ففى الفترة من 1910م وحتى 1922م شاركن في تنفيذ كثير من عمليات إغتيال جنود الإحتلال ، ومن أشهرهن زوجة الفدائى (أحمد جاد الله) التى كانت تساعده في نقل الأسلحة من مكان لآخر وتسليم القنابل وإخفائها ، كما كانت شريكة لزوجها في عمليات إغتيال الانجليز ، وكانت أيضاً تجلس وتقوم بدور بائعة السميط لكى يصل إليها الفدائيون ويبلغوها كلمة السر فتعطيهم مسدسات مخفاه تحت السميط ، وزوجة الفدائى (محمود إسماعيل) الذى دخل عليها وعلى ملابسه دماء جُندى بريطانى قام بقتله وأنه وأصدقائه لايعرفون كيف يتخلصون من جثته ، فخططت له زوجته كيفية إخفاء الجثة نهائياً .
– بطولات المرأة المصرية في ثورة 1919م :
كانت المحطة الأبرز في التاريخ الوطنى للمرأة المصرية دورها الوطنى في ثورة 1919م ، حيث ناضل النساء مع الرجال على قدم المساواة وسجلت مواقف بطولية ، إنطلاقاً من مظاهرة في 16مارس 1919م إحتجاجاً على نفى سعد وعلى قمع سلطات الإحتلال للمظاهرات ، حيث ظهرت قيادات نسائية قادت المظاهرات وطالبن بالاستقلال التام وخطبن في المساجد والكنائس تعزيزاً للوحدة الوطنية ، وفى 18 مارس أطلقت القوات البريطانية الرصاص على مظاهرة نسائية ، مما أدى إلى استشهاد أول إمراة مصرية في الثورة وهى (شفيقة محمد) التى تحولت جنازتها إلى حدث وطنى كبير شاركت فيه جميع طبقات المجتمع ، كما ساهمت المرأة في تشييع جنازات الشهداء ، وإخفاء المنشورات السرية والأطعمة والأدوية لجرحى الثورة في ملابسها السوداء علاوة على إخفائها المناضلين في منازلها .
وتدعيماً للوحدة الوطنية استقبلت لجنة من السيدات المسلمات بمسجد السيدة زينب وفداً من السيدات القبطيات اللاتى أتين لشكرهن على التهنئة بعيد الفصح ، وصممت صفية زغلول علم الثورة الذى جمع بين الهلال والصليب بمنزلها حتى يكون رمزاً للوحدة الوطنية ، وقد أصبح هذا العلم رمزاً للمظاهرات وأشاد به المؤرخ الفرنسى سلفيستر شولير بقوله ” كان أكثر المشاهد تأثيراً ظهور العلم الذى رُسم عليه الهلال وكأنه يعانق الصليب ” ، وهذا ما يعكس دعم المرأة المصرية للوحدة الوطن
كما حولت صفية زغلول بيتها ” بيت الأمة ” إلى مقر للاجتماعات الوطنية وتنسيق أنشطة الثورة وطباعة المنشورات ، وخاصة الاجتماعات النسائية الأمر الذى أثار الانجليز ، فقامت السلطات البريطانية بحصار بيت الأمة فأرسلت صفية زغلول نداء إلى الأمة تبين فيه حصار الجنود ومنعهم بالقوة وصول أى سيدة مصرية إلى المنزل وتدعو المصريين إلى التمسك بالاستقلال وتحمسهم على الشجاعة والصبر ، كما أرسلت السيدات المصريات تليغراف إلى الملك فؤاد في 23 مارس 1922م احتجاجاً على نفى سعد زغلول ، وعلى حصار منزله ، ومنع السيدات من دخوله وما تعرضن له من إهانة على يد جنود الإحتلال ، مطالبين بأن تُحاط المرأة المصرية بالاحترام اللازم حتى تُصان حرية كل إنسان وعندما أصدرت بريطانيا تصريح 28 فبراير 1922م بتحفظاته الأربعة التى أكدت عليها بريطانيا اعترضت النساء على هذا التصريح ، بسبب تحفظاته التى تتعارض مع أهداف الثورة .
ولم يكن خروج المرأة في المظاهرات أثناء ثورة 1919م ثورة على الإنجليز وحدهم بل كان أيضاً ثورة على الحجاب السائد ، فقد كن يخرجن مقنعات بالبراقع البيض في المظاهرات الأولى ولكن لم تمضى أشهر حتى كن قد خلعن البراقع وتألفت منهن لجان في الوفد ، وفى 16 مارس 1923م أسست هدى شعراوى الاتحاد النسائى المصرى وهو أول كيان رسمى يهدف إلى رفع مستوى المرأة والدفاع عن حقوقها الاجتماعية والسياسية .
وقد دفع الدور السياسى والنضال الوطنى الذى مارسته المرأة المصرية في ثورة 1919م الصحف الأجنبية أن تأخذ أحاديث عن الثورة من مصريات ، وعن رأيهن في الاحتلال الانجليزى ، الأمر الذى لفت أنظار الرأى العام العالمى والمنظمات النسائية الدولية لوضع المرأة المصرية الجديد ، مما دفع الشعب المصرى والعالم كله أن يقدم لها كل احترام وتقدير على وطنيتها ومساهمتها الفعالة في بناء وطنها ، إذ لاتقل شأناً عن المرأة الغربية التى مازالت تطالب حكومتها بحقوقها السياسية في البرلمانات والدوائر القضائية .
– دور المرأة المصرية في المؤتمرات الدولية بعد ثورة 1919م :
وكان من مظاهر الدور السياسى للمرأة حضورها المؤتمرات الدولية العالمية ، فبعد أن ذاع صيتها لمشاركتها في ثورة 1919م والدور السياسى التى قامت به خلال أحداث الثورة ، أرسلت قائدات الاتحاد النسائى الدولى بروما في 1923م دعوة لهدى شعراوى بصفتها زعيمة الحركة النسائية المصرية لحضور المؤتمر الدولى للمرأة ، وقد نشرت أخبار الوفد النسائى في الصحف المصرية واستعداد أعضائه للذهاب إلى روما ، فانبرت أقلام للهجوم على هذا الوفد النسائى المصرى مطالبين الحكومة بعدم السماح لهن بالسفر حتى لا يشوهن سمعة مصر في تلك الفترة الدقيقة من تاريخنا السياسى ، حيث وصفوا المرأة المصرية بالجهل وأنها لا تستطيع التحدث والمناقشة مع وفود الدول الأخرى وتحولت تلك الانتقادات إلى معركة فكرية من أجل ذلك الأمر ، غير أن الوفد النسائى سافر إلى روما رغم المعارضة ، وقام هناك بدور سياسى بارز حيث قدم عدة مطالب أوضح فيها رؤيته للأحداث التى تمر بها مصر وأكد الوفد المصرى بالمؤتمر على الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط ويتجلى ذلك فيما حدث عندما وصلت السيدات إلى المؤتمر بروما ووجدنا أعلام الدول المشتركة في أعلى القاعة دون علم مصر فأحتجت هدى شعراوى على ذلك فطلب الوفد المصرى من طلاب البعثة المصرية بروما تجهيز علم لمصر يتعانق فيه الهلال مع الصليب ، وأن يكون أكبر حجماً من الأعلام الموجودة ، مما لفت أنظار الحاضرين وخاصة رئيسة المؤتمر التى أمرت بوضعه على يسار المنصة بجانب العلم الايطالى ، وكان ذلك أكبر عامل لإزالة فكرة التعصب الدينى الذى وصف به الانجليز الحركة الوطنية المصرية وثورة 1919م ، وبالرغم من أن الوفد المصرى كان أقل الوفود عدداً ، إلا أنه أحدث تأثيراً كبيراً ولقى ترحيباً عظيماً ، حيث أبدت الوفود الأجنبية اعجابها به وخاصة الوفد الأمريكى الذى اندهش من حقيقة المرأة المصرية إذ وجدها على درجة كبيرة من التمدن وأنها لا تقل فكراً وعلماً عن غيرها من أرقى نساء العالم ، حيث كانت هدى شعرواى تتحدث بالفرنسية ونبوية موسى بالانجليزية .
وبحضور المرأة المصرية المؤتمرات الدولية ، ارتفع صوت المرأة المصرية في الأجواء العالمية ، مما عزز إعتراف العالم بها وبمكانتها .
– المرأة المصرية والصراع حول التحديث الدستورى :
للمرأة المصرية أيضاً دور في النضال من أجل الحقوق الدستورية ، حيث اعترضت على دستور 1930م ، وطالبت بعودة دستور 1923م ، وهاجمت الحكومة والاستعمار البريطانى واشتركت في انتفاضة 1935م التى أدت إلى عودة دستور 1923م ، حيث مثلت تلك الانتفاضة محطة مهمة في نضال المرأة المصرية من خلال المطالبة بالحقوق الوطنية والدستورية .
– صوت المرأة المصرية في سياق معاهدة 1936م :
عندما عُقدت معاهدة 1936م بين مصر وبريطانيا وتضمنت في شروطها جلاء القوات البريطانية من جميع أنحاء مصر فيما عدا منطقة قناة السويس اختلفت مواقف النساء تجاهها ،حيث أدانت هدى شعراوى تلك المعاهدة واعتبرت عدم استشارة النساء في شروطها انتقاصاً من حقوقهن ، ونادى الاتحاد النسائى المصرى جميع السيدات المصريات بأن يطالبن باستفتاء وطنى يشمل المصريين رجالاً ونساءاً قبل التصديق على المعاهدة ، ووزعن منشورات كُتبت باللغتين العربية والفرنسية ، وأبلغت هدى شعراوى مجلة ” المصور” بأن هذه المعاهدة غير قانونية ، لأن النساء لم يُعطين موافقتهن عليها ، كما أرسلت خطاباً إلى مصطفى النحاس رئيس الوزارة وإلى أعضاء البرلمان تطالب بضرورة أن يُعرض الأمر أمام المصريين أولاً ، واحتجت على التكاليف الباهظة التى ستدفعها مصر بناءاً على نصوص معاهدة 1936م ، حيث تضمنت تلك المعاهدة تكليف الحكومة المصرية ببناء معسكرات وطرق وكبارى للقوات البريطانية .
– المرأة المصرية ودعم القضية الفلسطينية :
كما كان للمرأة المصرية دور كبير في دعم القضية الفلسطينية ، حيث دعمت الشعب الفلسطينى في نضاله من أجل الحصول على حقوقه ، وقد تجلت هذه الجهود من خلال المؤتمرات والمبادرات النسائية والمقالات الصحفية التى عبرت عن التضامن مع القضية .
– موقف المرأة المصرية من الحرب العالمية الثانية :
وعندما قامت الحرب العالمية الثانية في 1939م عبرت نبوية موسى أحد الرائدات النسائية عن موقفها من الحرب معتبرة أنها ليست حرباً ضد انجلترا وفرنسا ، بل حرب ضد حرية الشعوب الصغيرة وأن على الأمم الشرقية مساعدة انجلترا ومناصرتها ، لأن فشلها سيكون نكسة لتلك الشعوب ، كما أكدت على أن مصالح مصر مرتبطة بإنجلترا ، وأن انتصارها يعنى انتصاراً لمصر ، لأن ألمانيا وحلفاؤها يسعون للسيطرة على الدول الصغيرة ، كما حذرت من طموحات ألمانيا في جعل البحر المتوسط بحيرة ألمانية ، وأخذت هدى شعراوى تدعو إلى تكوين جبهة عربية تشمل الشرق الأوسط ، وخلال فترة الحرب ( 1939-1945م) كان النشاط النسائى السياسى ضعيفاً نسبياً ، لكنه عاد مرة أخرى بعد إنتهاء الحرب لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الحركة النسائية المصرية اتسمت بالنضج والإدراك والفهم لحقوق المرأة .
وبناءاً عليه أثبتت المرأة المصرية عبر العصور أن نهضة مصر وتقدمها لا يكتملان إلا بنهضتها ومشاركتها الفاعلة ، فهى صانعة الحضارة في الماضى وحارسة الهوية وشريكة النضال في الثورات .