# Tags
#ثقافة وفن

عقوق الوالدين.. خلل أخلاقي يهدم أسس التراحم المجتمعي وكبيرة تغضب الله

بقلم/ سامي المرسي كيوان

يُعدُّ برّ الوالدين من أعظم القيم الأخلاقية التي أكّد عليها القرآن الكريم، وجعلها في منزلةٍ عالية تأتي مباشرة بعد عبادة الله تعالى وتوحيده. وليس ذلك من قبيل المصادفة، بل لأن العلاقة بين الإنسان ووالديه هي أول علاقة إنسانية يعيشها المرء في حياته؛ فهي علاقة الرحمة والرعاية والتضحية. ولهذا جاء التحذير القرآني شديدًا من عقوق الوالدين، وعدَّه من كبائر الذنوب التي تفسد الأخلاق وتقطع أواصر الرحمة داخل المجتمع.

حين يتأمل القارئ في آيات القرآن الكريم يجد أن الحديث عن الوالدين يأتي غالبًا مقرونًا بالأمر بتوحيد الله. وهذا الاقتران يحمل دلالة عميقة، فكما أن الله هو خالق الإنسان، فإن الوالدين هما السبب الظاهر في وجوده في هذه الحياة، ولذلك كان شكرهما جزءًا من شكر الله. يقول الله تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23). هذه الآية تمثل قاعدة أخلاقية كبرى في الإسلام؛ إذ وضعت الإحسان إلى الوالدين في مرتبة تالية مباشرة لتوحيد الله، وكأن القرآن يريد أن يقول إن من لا يحسن إلى والديه لا يمكن أن يدّعي الكمال في عبادته لله.

ولا يكتفي القرآن بالأمر العام بالإحسان، بل يدخل في تفاصيل دقيقة من السلوك اليومي الذي يجب أن يتحلى به الأبناء تجاه والديهم. فالقرآن ينهى حتى عن أدنى كلمة تضجر أو تبرم قد تصدر من الابن تجاه والديه، فيقول تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23).

إن كلمة “أف” في اللغة هي أدنى مراتب الضجر، ومع ذلك نهى عنها القرآن، ليغرس في النفس البشرية احترامًا عميقًا للوالدين. فإذا كان هذا هو الحكم في أقل درجات الأذى اللفظي، فكيف بما هو أشد من ذلك من الإهانة أو الإهمال أو الإساءة؟

ويُذكّر القرآن الإنسان دائمًا بما تحمّلته الأم من مشقة عظيمة في سبيل تربيته، ليوقظ في قلبه شعور الامتنان والرحمة. يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ (لقمان: 14).

هذه الآية تصور معاناة الأم تصويرًا مؤثرًا، فهي تحمل وليدها تسعة أشهر في تعبٍ متواصل، ثم ترعاه في طفولته الضعيفة، وتبقى مشاعرها معلقة به حتى يكبر ويشتد عوده. لذلك كان شكر الوالدين واجبًا أخلاقيًا ودينيًا لا ينفصل عن شكر الله.

ومن أبلغ ما ورد في القرآن في بيان قيمة البر بالوالدين تلك الدعوة الرحيمة التي علمها الله لعباده: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24).

في هذه الآية يطلب القرآن من الإنسان أن يستحضر ذكريات طفولته، حين كان عاجزًا ضعيفًا، فكان والداه يسهران على رعايته وحمايته. إنها دعوة إلى الوفاء ورد الجميل، وإلى تذكر الماضي كي لا يقع الإنسان في جحود الحاضر.

لكن القرآن، في حكمته، لم يجعل طاعة الوالدين طاعة مطلقة بلا حدود. فإذا أمر الوالدان ابنهما بما يخالف عقيدة التوحيد أو يدعوه إلى الشرك بالله، فإن الطاعة هنا لا تكون واجبة، لأن طاعة الله مقدمة على كل شيء. ومع ذلك فإن القرآن يأمر بالمعاملة الحسنة حتى في هذه الحالة، فيقول تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: 15). وهذا يبين أن البر بالوالدين ليس مجرد طاعة، بل هو خلق دائم من الرحمة والاحترام، حتى في حال الاختلاف في المعتقد.

ومن القصص القرآنية التي تُظهر أدب الأبناء مع آبائهم قصة النبي إبراهيم عليه السلام مع أبيه. فعلى الرغم من أن أباه كان يعبد الأصنام ويعادي دعوته، فإن إبراهيم خاطبه بلطف واحترام، فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ (مريم: 42). إن تكرار كلمة “يا أبت” في الحوار يدل على أدب عظيم في الخطاب، وهو نموذج قرآني راقٍ في كيفية الجمع بين الدعوة إلى الحق واحترام الوالدين.

وعندما ينتشر عقوق الوالدين في مجتمع ما، فإن ذلك لا يقتصر أثره على الأسرة وحدها، بل يمتد ليصيب المجتمع كله بخلل أخلاقي. فالأبناء الذين لا يعرفون معنى الوفاء لوالديهم غالبًا ما يفقدون القدرة على احترام الآخرين أو الحفاظ على روابط المجتمع. ولهذا فإن القرآن حين شدد على بر الوالدين إنما كان يؤسس لثقافة الرحمة والتراحم داخل المجتمع الإنساني.

إن عقوق الوالدين ليس مجرد تصرف فردي عابر، بل هو علامة على خلل عميق في الضمير الأخلاقي للإنسان. فالذي ينسى فضل والديه بعد أن كبرا وضعفا، إنما ينسى إنسانيته قبل أن ينسى واجبه الديني. ولهذا فإن القرآن يربط بين البر والرحمة، وبين العقوق والقسوة، وكأنما يريد أن يقول إن الإنسان لا يبلغ كماله الأخلاقي إلا حين يكون وفيًّا لمن كانوا سببًا في وجوده.

وفي النهاية، يمكن القول إن القرآن الكريم لم يكتفِ بالتحذير من عقوق الوالدين، بل رسم صورة متكاملة للأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الأبناء: الاحترام في القول، والرحمة في المعاملة، والدعاء في الغيب، والوفاء في الكبر كما كان العطف في الصغر. وهكذا يتحول بر الوالدين من مجرد واجب ديني إلى مدرسة أخلاقية يتعلم فيها الإنسان معنى الرحمة والوفاء والإنسانية.

وإذا كان الإنسان يبحث عن طريق يرضي الله ويكسب به احترام الناس، فلن يجد طريقًا أقرب من طريق البر بوالديه، لأن رضا الوالدين في جوهره تعبير عن الامتنان للحياة نفسها.

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *