# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الثعبان” علامة على أن الحق قادر على ابتلاع الوهم

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يَرِدُ ذكرُ الثعبان في القرآن الكريم، فإن الصورة لا تأتي بوصفها حكايةً عن كائنٍ زاحفٍ فحسب، بل بوصفها مشهدًا كونيًّا تتجلى فيه القدرة الإلهية، ويتكشّف فيه الفرق بين المعجزة والسحر، وبين الحق والوهم. إن الثعبان في القرآن ليس رمزًا للشر المطلق كما في بعض الثقافات، بل هو أداةٌ من أدوات البيان الإلهي، ووسيلةٌ لإقامة الحجة.

مشهد العصا… حين تتحول الخشبة إلى حياة

يرتبط الثعبان في القرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا بقصة موسى عليه السلام. ففي لحظة الوحي الأولى عند طور سيناء، يسأل الله نبيَّه:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾، فيجيب موسى بأنها عصاه التي يتوكأ عليها ويهشّ بها على غنمه. لكن الأمر الإلهي يأتي حاسمًا:

﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾، فإذا بها ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ (سورة طه: 17–20).

وفي موضع آخر: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (الأعراف: 107).

وهنا تتعدد الألفاظ: حية، ثعبان، جانّ. وقد تنبّه المفسرون إلى أن اختلاف اللفظ لا يعني التناقض، بل يعكس تنوع الحال؛ فـ «الجانّ» يُشعر بالخفة والسرعة، و«الحية» تدل على الجنس، و«الثعبان» يدل على الضخامة والهيبة. كأن المشهد ينتقل من المفاجأة الأولى إلى التجلّي الأعظم أمام فرعون وملئه.

مواجهة السحر… حين يبتلع الحق الوهم

في مجلس فرعون، حيث اجتمع السحرة، ألقوا حبالهم وعصيّهم، ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: 66). إنها حركة خادعة، تخييلٌ لا حقيقة له. لكن عصا موسى حين أُلقيت لم تكن خدعة بصرية، بل تحولت إلى ثعبان حقيقي ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الأعراف: 117).

الفارق هنا عميق:

السحر يخلق وهماً في العيون، أما المعجزة فتخلق واقعًا في الوجود.

السحر يحرّك الإدراك، أما المعجزة فتحرّك المادة.

ولهذا خرّ السحرة ساجدين، لأنهم أدركوا بحكم خبرتهم أن ما رأوه ليس من جنس صناعتهم.

دلالات رمزية ومعنوية

الثعبان في القرآن لا يُستدعى لذاته، بل لما يمثله من رهبةٍ في النفس البشرية. فهو رمز للقوة الكامنة التي قد تخيف، لكن حين تكون بأمر الله تصبح آيةً لا أذى فيها. فموسى نفسه خاف حين رآها أول مرة:

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، فجاءه التطمين الإلهي: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى﴾ (طه: 67–68).

وهنا تتجلى رسالة تربوية: حتى النبي قد يعتريه الخوف البشري، لكن الإيمان يرفعه فوقه.

بين القرآن والثقافات الأخرى

في بعض الأعمال التراثية القديمة، يُصوَّر الثعبان بوصفه أصل الإغواء أو رمز الخطيئة. أما في القرآن، فلا وجود لثعبان في قصة آدم؛ بل يظل الكائن الزاحف بعيدًا عن تلك الرمزية. هذا الفارق يكشف استقلالية السرد القرآني، ونقائه من الإضافات الأسطورية.

الثعبان في القرآن ليس حيوانًا عابرًا في نصٍّ مقدس، بل مشهدٌ من مشاهد إقامة الحجة. إنه لحظة انقلاب الطبيعة بأمر الخالق، ليعلم الناس أن الذي خلق الأسباب قادر على تعطيلها أو تحويلها. فإذا كانت العصا جمادًا، فقد صارت حياة. وإذا كان السحر وهماً، فقد انكشف. وإذا كان الطغيان متجبرًا، فقد اهتزّ أمام آية. وهكذا يبقى الثعبان في القرآن علامةً على أن الحق، وإن بدا ضعيفًا كعصا راعٍ، قادرٌ بأمر الله أن يتحول إلى قوةٍ تبتلع الباطل.

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *