# Tags
#ثقافة وفن

معنى الحجج في القرآن الكريم.. اختيار دقيق للزمن والبيئة والعقيدة

بقلم / سامي المرسي كيوان

يقول الله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (القصص: 27ولم يقل: ثماني سنوات، ولا ثمانية أعوام.

معنى “الحِجَج

كلمة “حِجَج” جمع “حِجَّة”، وهي في الأصل: السنة الكاملة التي يُحَجُّ فيها إلى بيت الله. فالعرب كانت تربط الزمن بالدورة الدينية والاجتماعية الكبرى، وهي موسم الحج، لأن الحج كان أهم حدث سنوي يجتمع فيه الناس وتُقاس به الأعمار والعقود.

إذن: ثماني حجج = ثماني سنوات كاملة محسوبة بدورات الحج.

لماذا لم يقل “ثماني سنين” أو “ثمانية أعوام”؟

القرآن لا يختار لفظًا إلا لمعنى زائد. ويمكن فهم الاختيار من عدة زوايا:

أولًا: الدلالة على الاكتمال

لفظ الحِجَّة يدل على السنة الكاملة التامة، لأن الحج يقع في آخر السنة القمرية (ذو الحجة)، وكأن السنة قد أتمّت دورتها. فهو تعبير أدق من “عام” الذي قد يُطلق على جزء من السنة، أو “سنة” التي قد تُذكر مجردة دون إحالة إلى اكتمال دورة شعائرية.

ثانيًا: البيئة الدينية

موسى عليه السلام كان في أرض مدين، وهي بيئة مؤمنة موحِّدة، وليست وثنية. فذكر “الحِجَج” يوحي بوجود شعيرة الحج في تلك الأمة قبل الإسلام، وهو أمر تشير إليه نصوص كثيرة أن أصل الحج قديم منذ إبراهيم عليه السلام. فالتعبير هنا ينسجم مع بيئة دينية تعرف هذا المصطلح.

ثالثًا: لغة العهد والعقود

الحِجَّة في العربية أيضًا تعني البرهان والدليل. فكأن العقد بين شعيب وموسى مبني على “حِجَج” زمنية واضحة، لا لبس فيها، سنوات محددة مكتملة الدورات.

والعقود في المجتمعات القديمة كانت تُقاس بالأحداث الكبرى لا بالأرقام المجردة.

رابعًا: الفرق البلاغي بين “عام” و”سنة

القرآن يفرّق بين اللفظين، كما في قصة يوسف عليه السلام: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ استعمل “عام” للرخاء، و”سنين” للشدائد. فكل لفظ له ظلاله.

أما “الحِجَج” فظلّها هو الاكتمال الدوري المرتبط بالشعيرة.

هل في الأمر إشارة زمنية خاصة؟

بعض المفسرين أشاروا إلى أن التعبير يدل على: أن المدة كانت واضحة جدًا. وأنها محسوبة بالحساب القمري. وأنها سنوات كاملة غير منقوصة. بل قال: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ فذكر الإتمام بعد الحِجَج، تأكيدًا لفكرة الكمال الزمني.

الخلاصة إن قوله تعالى: “ثماني حجج” ليس مجرد مرادف لـ “ثماني سنوات، بل هو: تحديد زمني دقيق. وتعبير عن سنة كاملة بدورتها الشعائرية. وإيحاء ببيئة مؤمنة تعرف الحج. وإبراز لطابع العقد والوفاء عبر دورات زمنية مكتملة.

هنا تتجلى دقة القرآن في اختيار المفردة التي تحمل زمنًا ومعنى وبيئة وعقيدة في آنٍ واحد.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *