# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الفراش” رمز الضعف والفوضى والذهول يوم البعث

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يختار الله تعالي لفظ الفراش في هذا الموضع، فإنه لا يقصد الفراش الذي يُبسط للنوم، بل تلك الحشرات الرقيقة التي تتطاير ليلًا حول الضوء، في حركةٍ مضطربة دون استقرار، و تتحرك في اندفاعٍ قد يقودها إلى الهلاك.  

﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ ، سورة القارعة، آية 4

 وكما يأتي معنى الفراش في لسان العرب هو صغار الحشرات التي تتهافت على النار أو الضوء، لا تمضي في خطّ مستقيم، ولا تتحرك بانتظام، بل ترفرف في دوائر متكسّرة، كأنها فاقدة للاتجاه.

وهنا تكمن دقة التعبير القرآني: لم يقل “كالطير”، ولا “كالجراد” — مع أن الجراد ورد في موضع آخر — بل قال كالفراش المبثوث. الفراش أضعف، وأقرب إلى الفوضى، وأشدُّ عرضةً للاحتراق.

دلالة “المبثوث”: المبثوث: المنتشر المتفرّق، الذي لا نظام له.

البثّ في اللغة هو التفريق بعد اجتماع، وكأن الناس كانوا في قبورهم ساكنين، ثم بُثّوا دفعةً واحدة في فضاءٍ عظيم، يتدافعون، يذهلون، لا يعرف أحدهم إلى أين المصير.

لماذا الفراش لا الجراد؟

ورد الجراد في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ سورة القمر، آية 7

الجراد يتحرك في اتجاه واحد، جماعيًّا، منظمًا في سيلٍ واحد علي النقيض من ذلك يمضي الفراش، بعشوائية، مضطربة، متصادمة، فكأن مشهد القيامة في القارعة يركّز على الفزع والذهول، بينما مشهد القمر يركّز على الكثرة والاندفاع نحو الداعي، وهذا الفارق الدقيق يفتح بابًا بلاغيًا عميقًا في تصوير اليوم الآخر:

في موضعٍ: فوضى الرهبة. وفي موضعٍ آخر: سيل الحشود.

حين نتأمل الفراش حول المصباح في ليلةٍ ساكنة، تراه يندفع إلى الضوء وهو لا يدري أنه قد يحترق.

وهكذا الإنسان، الذي كان في الدنيا يمشي بثبات، فإذا به يوم القيامة يتحول إلى كائنٍ هشّ، تائه، لا يملك من أمره شيئًا، إنها صورة تُسقط عن الإنسان غروره.

ذاك الذي كان يخطط ويحسب ويُسيطر، يصبح كالفراش: خفيفًا، مضطربًا، منثورًا في فضاء الحساب.

 الفراش المبثوث في القرآن هو: رمز الضعف بعد القوة، ورمز الفوضى بعد النظام، ورمز الذهول بعد الثقة. وفي هذا الاختيار القرآني إشارة بليغة إلى أن القيامة ليست مجرد انتقال مكاني، بل انقلاب في طبيعة الشعور الإنساني ذاته.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *