# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الضفادع” علامة تربوية وأداة تأديب لقوم جبارين

بقلم/ سامي المرسي كيوان

القرآن حين يتحدث عن كائن من كائنات الطبيعة، فإنه لا يذكره عبثًا، بل يجعله علامةً ودلالة، آيةً في سياق الهداية والاعتبار. والضفادع لم تُذكر في القرآن إلا في موضع واحد، لكنه موضع بالغ الدلالة، يرتبط بقصة من أعظم قصص الصراع بين الحق والباطل: قصة موسى مع فرعون.

 ورد ذكر الضفادع في سورة الأعراف، في سياق الآيات التي أرسلها الله على قوم فرعون عقابًا لهم على تكذيبهم واستكبارهم. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133)

الضفادع هنا ليست مجرد حيوان صغير يعيش في البرك والمستنقعات، بل تحولت – بأمر الله – إلى آية من آيات العذاب. تكاثرت عليهم حتى ملأت بيوتهم وأوانيهم وفرشهم، حتى قيل في بعض التفاسير إنها كانت تقع في طعامهم وشرابهم، فيضيقون بها ذرعًا، ويطلبون من موسى أن يدعو ربه ليكشفها عنهم.

وقد تكررت هذه الصورة في سياق آخر من السورة نفسها، حين قالوا لموسى: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾، لكنهم كانوا ينكثون العهد كلما كشف الله عنهم البلاء.

اللافت أن الله سبحانه وتعالى اختار مخلوقات صغيرة – الجراد، القمل، الضفادع – لتكون أداة تأديب لقوم جبارين. وكأن في ذلك رسالة رمزية عميقة: أن القدرة الإلهية لا تحتاج إلى جيوش جرارة ولا إلى براكين مدمرة، بل قد يجعل الله أضعف خلقه سببًا في إذلال من طغى وتجبر.

فالضفدع، الذي قد يراه الإنسان كائنًا وديعًا ضعيفًا، صار في تلك اللحظة آية قاهرة. وهذا يعيد ترتيب مفهوم القوة في الوعي البشري؛ فالقوة ليست في الضخامة، بل في الإرادة الإلهية التي تسخر الأشياء.

الضفادع في سياق السنن : ذكر الضفادع ضمن سلسلة من “الآيات المفصلات” يدل على أنها لم تكن حادثة عشوائية، بل جزءًا من سنن إلهية في تذكير الأمم. فالآيات تأتي متدرجة، وتُعطى الفرصة بعد الفرصة، لكن الاستكبار يعمي القلوب.

وهنا يمكن أن نتأمل: الضفدع كائن يعيش بين الماء واليابسة، بين عالمين، وكأن ظهوره في القصة يرمز إلى حالة الانتقال بين الهلاك والنجاة، بين الإيمان والكفر. غير أن فرعون وقومه اختاروا البقاء في مستنقع الاستكبار.

الضفادع في القرآن ليست موضوعًا بيولوجيًا، بل علامة تربوية. هي درس في أن الله قادر أن يبتلي الإنسان بما يراه تافهًا، فيتحول التافه إلى مصدر قلق واضطراب، إن لم يتعظ القلب.

وهكذا، في موضع واحد فقط، حملت الضفادع رسالة كاملة: أن من يطغى، قد تُؤدِّبه أصغر المخلوقات. وأن السنن الإلهية لا تُقاس بحجم الأسباب، بل بميزان العدل والقدرة.

 

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *