# Tags
#ثقافة وفن

وداعاً الموسيقار هاني شنودة.. 6 عقود من الإبداع صنعت ملامح الموسيقى المصرية المعاصرة

كتب – طارق محيي

خيمت حالة من الحزن على الوسط الفني والثقافي في مصر عقب الإعلان عن وفاة الموسيقار الكبير هاني شنودة، يوم الاثنين الموافق 20 يوليو 2026، عن عمر ناهز 83 عاماً، بعد رحلة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، رسخ خلالها مكانته كأحد أبرز رواد الموسيقى المعاصرة، وصاحب تجربة استثنائية أسهمت في تطوير الأغنية المصرية وإعادة تشكيل ملامحها الموسيقية.

وبرحيل هاني شنودة، فقدت الساحة الفنية واحداً من أهم الملحنين والموزعين الموسيقيين الذين ظلوا حتى سنواتهم الأخيرة يحملون شغف الإبداع، فلم يتوقف عن العزف أو التلحين أو تقديم المبادرات الفنية، محافظاً على حضوره كصانع للألحان، ومكتشف للمواهب، وصاحب رؤية موسيقية استطاعت أن تترجم نبض الشارع المصري وتحولاته الاجتماعية والإنسانية إلى أعمال خالدة.

امتلك شنودة مدرسة فنية خاصة في صناعة الموسيقى، جمعت بين الحداثة والهوية المصرية، كما تميز بقدرته على اكتشاف الأصوات الجديدة وتقديمها للجمهور، وكان مؤسس أول فرقة موسيقية مصرية تعتمد على مجموعة من الأصوات الشابة، وهي فرقة «المصريين»، التي أصبحت واحدة من أهم الظواهر الموسيقية في تاريخ الأغنية المصرية، بعدما نجحت في التعبير عن قضايا المجتمع وهمومه اليومية منذ أواخر السبعينيات والثمانينيات، وقدمت أعمالاً اتسمت بخفة الظل، والروح العصرية، والتوزيع الموسيقي المتجدد.

البدايات.. من طنطا إلى ريادة الموسيقى

ولد هاني شنودة في مدينة طنطا بمحافظة الغربية عام 1943، ودرس الموسيقى منذ سنوات مبكرة، قبل أن يتخرج في كلية التربية الموسيقية عام 1966، ليبدأ بعدها رحلة فنية جعلته واحداً من أبرز الملحنين والموزعين الموسيقيين في مصر والعالم العربي.

وخلال سنوات الدراسة، تعرض شنودة لتوقيف قصير على خلفية احتجاجات طلابية مرتبطة بقرارات جامعية. وروى في لقاءات إعلامية لاحقة أن السلطات اتهمته آنذاك – على سبيل الطرفة – بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نفاه تماماً، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد أيام.

ومنذ بداياته، ارتبط اسم هاني شنودة بتقديم أنماط موسيقية جديدة للأغنية المصرية، كما لمع اسمه في مجال الموسيقى التصويرية، ليصبح لاحقاً أحد أبرز المؤلفين الموسيقيين للسينما المصرية.

«القطط الصغيرة».. البداية الحقيقية للموسيقى الحديثة

في أواخر ستينيات القرن الماضي، شارك هاني شنودة في تأسيس فرقة «القطط الصغيرة» (Les Petits Chats) إلى جانب الفنان عزت أبو عوف والموسيقار عمر خيرت وعدد من الموسيقيين الشباب.

واعتبرت الفرقة واحدة من أوائل الفرق المصرية التي قدمت موسيقى الروك والأنماط الغربية الحديثة، وحققت انتشاراً واسعاً بين الشباب، وأسهمت في إدخال مفاهيم موسيقية جديدة إلى الساحة الفنية المصرية.

«المصريين».. التجربة التي غيرت شكل الأغنية

عام 1977، أطلق هاني شنودة مشروعه الأهم بتأسيس فرقة «المصريين»، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة.

وقدمت الفرقة لوناً موسيقياً مختلفاً عن السائد آنذاك، واعتمدت على الأصوات الجماعية والتوزيعات الحديثة، كما ساهمت في إطلاق مسيرة عدد من المطربين الذين أصبحوا لاحقاً من نجوم الغناء، وظل شنودة يقود الفرقة حتى توقف نشاطها عام 1988.

علاقة خاصة مع عبد الحليم حافظ

كان هاني شنودة عازفاً بارعاً على آلة الأورغ، وإلى جانب عمله في التلحين والتوزيع، جمعته علاقة مميزة بالعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.

بدأت هذه العلاقة خلال عمل شنودة في فندق فلسطين بالإسكندرية، حيث اعتاد عبد الحليم حضور حفلات الفرقة والاستماع إلى عزفه، بل كان يصعد أحياناً إلى المسرح لمتابعة طريقته في الأداء.

وبعد انتقال شنودة إلى القاهرة، تلقى اتصالاً من عبد الحليم الذي أبدى رغبته في التعاون معه، وأهداه آلة أورغ حديثة، كما اتفق معه على تكوين فرقة موسيقية صغيرة ترافقه في حفلاته الخارجية بدلاً من الأوركسترا الكبيرة.

وشارك شنودة بالفعل في حفل لعبد الحليم حافظ بنادي الجزيرة عام 1976، إلا أن المشروع لم يكتمل بعد وفاة العندليب في مارس 1977، وهو الحدث الذي دفع شنودة لاحقاً إلى تأسيس فرقة «المصريين».

فاتن حمامة تفتح له أبواب السينما

كانت الفنانة الكبيرة فاتن حمامة صاحبة الفضل في انطلاقة هاني شنودة بمجال الموسيقى التصويرية، بعدما أعجبت بالحس الدرامي الذي حملته أغنيات الألبوم الأول لفرقة «المصريين» «بحبك لا».

وطلبت من المخرج هنري بركات الاستعانة به لتأليف الموسيقى التصويرية لفيلم «ولا عزاء للسيدات»، الذي عرض عام 1979، ليكون أول أعماله السينمائية، قبل أن يصبح لاحقاً أحد أبرز مؤلفي الموسيقى التصويرية في تاريخ السينما المصرية.

مكتشف النجوم وصانع البدايات

لم يكن هاني شنودة مجرد ملحن أو موزع موسيقي، بل كان مكتشفاً للمواهب وصانعاً لبدايات العديد من نجوم الغناء العربي.

وكان له دور محوري في انطلاقة الفنان محمد منير، حيث لحن له أربع أغنيات في ألبومه الأول «علموني عينيكي» الصادر عام 1977، كما تولى توزيع أغنيات الألبوم، واستمر التعاون بينهما في ألبومات لاحقة مثل «بنتولد» و«شبابيك».

كما كان صاحب الفضل في اكتشاف الفنان عمرو دياب، بعدما شاهده يغني في بورسعيد، ونصحه بالانتقال إلى القاهرة ودراسة الموسيقى، ثم قدم له أربعة ألحان في ألبومه الأول «يا طريق» عام 1983، من بينها «يا طريق»، و«نور يا ليل»، و«الزمن»، و«في أحضان الجبال».

ومن أشهر أعماله التي بقيت حاضرة في ذاكرة الجمهور أغنية «أنا بعشق البحر»، التي كتب كلماتها عبد الرحيم منصور ولحنها هاني شنودة وغنتها الفنانة نجاة الصغيرة، قبل أن يعيد محمد منير تقديمها لاحقاً بعد أن تعرّف إليها خلال فترة تعاونه مع شنودة.

كما كان له حضور بارز في الأغنية الشعبية، عندما لحن للمطرب أحمد عدوية الأغنية الشهيرة «زحمة يا دنيا زحمة»، بكلمات حسن أبو عتمان، مقدماً توزيعاً موسيقياً مختلفاً اعتمد على آلات مثل الجيتار والدرامز، في تجربة اعتبرت آنذاك نقلة جديدة في الأغنية الشعبية المصرية.

بصمة خالدة في السينما المصرية

ترك هاني شنودة إرثاً كبيراً في مجال الموسيقى التصويرية، حيث وضع الموسيقى لعدد من أبرز الأفلام في تاريخ السينما المصرية، من بينها «المشبوه» و«الحريف»، إلى جانب العديد من أفلام الفنان عادل إمام، مثل «عصابة حمادة وتوتو» و«الأفوكاتو» و«المولد» و«مسجل خطر» و«شمس الزناتي».

واستطاعت موسيقاه أن تصبح جزءاً أصيلاً من ذاكرة هذه الأعمال، وأن تضيف إليها بعداً درامياً ظل حاضراً في وجدان الجمهور حتى اليوم.

حضور متواصل حتى اللحظات الأخيرة

ظل هاني شنودة حاضراً في المشهد الفني حتى السنوات الأخيرة من حياته، مواصلاً تقديم الأعمال الموسيقية والمشاركة في الحفلات والمشروعات الفنية.

وفي عام 2024، أعاد إحياء فرقة «المصريين» بمشاركة مجموعة من الأصوات الشابة، في محاولة لإحياء التجربة الموسيقية التي صنعت تاريخاً طويلاً مع الجمهور المصري والعربي.

كما شهد شهر يوليو 2026 صدور آخر أعماله الفنية، من خلال إعادة تقديم أغنية «بحلم معاك» للفنانة نجاة الصغيرة بتوزيع موسيقي جديد، بمشاركة مغني الراب المصري زياد ظاظا والمغنية تينا، في عمل أكد استمرار شغفه بالتجديد والتجريب حتى أيامه الأخيرة.

وبوفاة الموسيقار هاني شنودة، تطوى صفحة واحدة من أكثر التجارب الموسيقية تأثيراً في تاريخ الفن المصري، إلا أن إرثه الإبداعي سيبقى حاضراً في وجدان الجمهور، من خلال ألحانه، وموسيقاه التصويرية، والأصوات التي اكتشفها، والمشروعات الفنية التي أسهمت في تشكيل ملامح الموسيقى المصرية الحديثة، ليظل اسمه واحداً من أبرز رموز التجديد الموسيقي في الوطن العربي.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *