“الشراب” في القرآن الكريم.. مرآة المصير بين النعيم المقيم والعذاب الأليم

بقلم/ سامي المرسي كيوان
أولًا: شراب أهل الجنة
1) الماء الطهور: كما جاء في القرآن الكريم يصف أنهار الجنة بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (محمد: 15) ماء لا يتغير طعمه ولا رائحته، لا يعتريه فساد ولا عفن، على خلاف ماء الدنيا الذي تحكمه السنن الطبيعية. إنه صفاء مطلق، رمز للنقاء الأبدي.
2) اللبن غير المتغير: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ (محمد: 15) لبن محفوظ من التحول والتخثر، ثابت الجودة، دائم العذوبة. وكأن الثبات هنا إشارة إلى دوام النعمة بلا انقطاع.
3) الخمر اللذيذة بلا أذى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ (محمد: 15)، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (الصافات: 47) خمر الجنة تختلف عن خمر الدنيا؛ لا صداع فيها، ولا ذهاب عقل، ولا تبعة أخلاقية. لذة خالصة من كل ضرر.
4) العسل المصفّى : ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ (محمد: 15) عسل نقيّ بلا شوائب، رمز للحلاوة الكاملة، وكأن الطعم هنا انعكاس لصفاء العمل في الدنيا.
5) الكوثر: القرآن الكريم يذكر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الكوثر: 1) والكوثر نهر عظيم في الجنة أُعطي للنبي ﷺ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، كما ورد في الأحاديث.
6) الرحيق المختوم :﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ • خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (المطففين: 25–26) شراب خالص مختوم، آخر طعمه مسك، في دلالة على أن اللذة تبلغ ذروتها في الخاتمة.
7) التسنيم :﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (المطففين: 27) عين عالية المقام، يشرب منها المقربون صِرفًا، ويمزج منها لغيرهم.
8) الزنجبيل والكافور :﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ (الإنسان: 17)، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ (الإنسان: 5)، نكهات طيبة، معروفة عند العرب، لكنها في الجنة أصفى وأرقى، تجمع بين الطيب والانتعاش.
ثانيًا: شراب أهل النار
وهنا ينتقل القرآن من صورة الصفاء إلى صورة الألم، ومن البرودة العذبة إلى الحرارة الحارقة.
1) الحميم: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (محمد: 15) ماء بالغ الغليان، لا يُروِي عطشًا بل يزيده عذابًا.
2) الصديد: ﴿وَيُسْقَىٰ مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ (إبراهيم: 16)، ما يسيل من أهل النار من قيح ودم، شراب مقزز، يرمز إلى فساد العمل وسوء العاقبة.
3) الغسّاق: ﴿هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ (ص: 57) قيل هو ما يسيل من جلودهم، أو ما بلغ غاية البرودة والنتن، عكس دفء الرحمة.
4) المهل: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ (الكهف: 29) سائل كالمعدن المذاب أو الزيت المغلي، يشوي الوجوه قبل أن يصل إلى الجوف.
الدلالة العامة
في القرآن، الشراب مرآة المصير. في الجنة: صفاء، عذوبة، تنوّع، ختم بالمسك، أنهار جارية. أما في النار: حرارة، قيح، صديد، شواء، تمزيق للأحشاء.
ليس المقصود مجرد الوصف الحسي، بل ترسيخ المعنى الأخلاقي: ما كان العمل في الدنيا، يكون الشراب في الآخرة. فمن سقى روحه بالإيمان والعمل الصالح، سُقي رحيقًا مختومًا. ومن ملأ قلبه بالظلم والفساد، كان نصيبه حميمًا وصديدًا.
English 






























































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































