# Tags
#ثقافة وفن

المؤتفكة في القرآن الكريم.. الانحراف الأخلاقي إذا استحكم في مجتمع كان الانقلاب قدرًا له

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يرد لفظ المؤتفكة في القرآن الكريم، فإنه لا يأتي بوصفه اسمًا عابرًا، بل كصرخة تاريخية، وكلمة مثقلة بالعقوبة والانقلاب والانتكاس. إنّها كلمة من الجذر “أفك”، الذي يدلّ على الانقلاب والصرف عن الشيء، فكأنّ الأرض انقلبت عليهم، أو كأنّ الحقّ انقلب في قلوبهم كذبًا وزيفًا.

وقد وردت الكلمة في سياق الحديث عن قوم نبيّ الله لوط عليه السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ سورة النجم (آية 53)، وجاءت كذلك بصيغة الجمع في مواضع أخرى، منها: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾سورة التوبة (آية 70)، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ بِالْخَاطِئَةِ﴾سورة الحاقة (آية 9)

المعنى اللغوي

المؤتفكة” في اللغة هي المنقلبة، أي التي ائتفكت، أي انقلبت رأسًا على عقب. قال أهل التفسير: سُمّيت بذلك لأن الله قلب ديارهم فجعل عاليها سافلها، عقوبةً لهم على ما اقترفوه من الفواحش، وعلى تكذيبهم لنبيهم لوط عليه السلام.

من هي المؤتفكة؟

المقصود بها قرى قوم لوط، وعلى رأسها :سدوم –عمورة  وهما مدينتان اشتهرتا في التراث الديني بقصة الفاحشة التي لم يُسبقوا بها، وبالعقوبة التي نزلت بهم.

لماذا سُمّيت بالمؤتفكة؟

لأن العذاب جاءهم على هيئة انقلاب كونيّ رهيب؛ فقد رفع جبريل عليه السلام قراهم بجناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، وأمطر عليهم حجارةً من سجيل. فجاء الاسم معبّرًا عن طبيعة العقوبة نفسها: الانقلاب.

وهنا يتجلّى البعد البلاغي في القرآن؛ فليس الاسم مجرد توصيف جغرافي، بل حكم أخلاقي وتاريخي في آنٍ واحد.

الدلالة القرآنية

حين يذكر القرآن “المؤتفكة”، فهو لا يكتفي بسرد واقعة، بل يفتح باب التأمل: أن الانحراف إذا استحكم في مجتمع، قلب الله موازينه. وأن الفاحشة إذا تحولت إلى قانون اجتماعي، كان الانقلاب قَدَرًا. وأن التكذيب المستمر للرسل يراكم على القلوب حتى يأتي الحسم.

وقد جمع القرآن بينهم وبين أمم أخرى كعاد وثمود وفرعون، ليصوغ مشهدًا تاريخيًا متكررًا: رسالة، تكذيب، إمهال، ثم انقلاب.

بين التاريخ والعبرة :

المؤتفكة ليست قصة عن مدينة بائدة فحسب، بل هي صورة رمزية لمجتمع انقلبت فيه الفطرة. وكأن الاسم يذكّرنا بأن كل أمة تنقلب عن الحق، قد تنقلب عليها الأرض ذات يوم – إن لم يكن انقلابًا ماديًا، فربما انقلابًا أخلاقيًا أو حضاريًا. وهنا تتجلّى حكمة القرآن في اختيار الألفاظ: ليس “قوم لوط” فقط… بل “المؤتفكة” – ليبقى الحدث حيًا في الوعي، لا محصورًا في الجغرافيا. إنها كلمة واحدة، لكنها تحمل تاريخًا من العناد، وعظةً ممتدةً لكل زمان.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *