# Tags
#أخبار #تحقيقات وحوارات

شوارع الفسطاط.. حكايات لا تنتهي بين أزقة القاهرة القديمة

ذاكرة تحكي تاريخ مصر العريق من المعز إلى الأزهر

بين الحداثة والعراقة.. كيف حافظت شوارع الفسطاط على هويتها؟

كتبت – روان أحمد

“القاهرة”، تلك المدينة العريقة التي تنبض بالحياة؛ حيث تتعانق الحكايات القديمة مع تفاصيل الحاضر في مشهدٍ يأسِر القلوب، فشوارعها ليست مجرد طرقٍ تمتد بين المباني؛ بل صفحاتٌ مفتوحة، تروي تاريخًا ممتدًا عبر العصور، ففي كل زاويةٍ تكمن قصة، وفي كل حجرٍ بصمة من الماضي تُشكِّل هوية المكان، وفي هذه القصة، سنُبحر بين أروقة القاهرة، نستكشف معالمها، ونُلامس روحها التي تأبى أن تخفت رغم تعاقب الأزمنة.

ونصطحبكم في رحلةٍ داخل شوارع الفسطاط التاريخية، ذلك من كتاب “شوارع لها تاريخ”، للكاتب عباس الطرابيلي.

شارع المعز

شارع المعز لدين الله الفاطمي، أو الشارع الأعظم، أو قصبة القاهرة الكبرى، هو شارعٌ يمثل قلب مدينة القاهرة القديمة، ففي أوائل القرن السابع الهجري، والثالث عشر الميلادي، خلال عهد الدولة المملوكية، تم تطويره لكي يكون متحفًا مفتوحًا للعمارة والآثار الإسلامية، ومع نشأة مدينة القاهرة خلال عهد الدولة الفاطمية في مصر، نشأ شارع المعز، فكان تخطيط المدينة يخترقه، كشارعٍ رئيسٍ يمتد من باب زويلة جنوبًا، حتى باب الفتوح شمالًا.

وأطلق عليه الشارع الأعظم، وفي مرحلة لاحقة “قصبة القاهرة”، قسم المدينة إلى قسمين شبه متساويين، وكان المركز السياسي والروحي للمدينة، ومع التحول الذي عرفته القاهرة أوائل القرن الثالث عشر الميلادي، خلال عهد الدولة المملوكية، ومع بدء الهجوم على المشرق والعراق، نزح كثير من المشارقة إلى مصر، فعمرت الأماكن خارج أسوار القاهرة، وأحاطت الأحياء الناشئة بسور القاهرة الفاطمي، وامتلئ الشارع الأعظم بسلسلة من المنشآت الدينية، والتعليمية، والطبية، والتجارية، والسكنية؛ حيث أصبح القسم الأكبر من الآثار الإسلامية لمصر مركزًا داخل حدود القاهرة المملوكية، وتجمعت الأنشطة الاقتصادية في هذا العصر حول الشارع الأعظم، وعلى امتداده خارج باب زويلة تجاه الصليبة والقلعة، وامتدت قصبة القاهرة خارج أسوارها الفاطمية من أول الحسينية شمالًا خارج باب الفتوح، حتى المشهد النفيسي جنوبًا خارج باب زويلة.

كما أطلق على الشارع اسم المعز لدين الله عام 1937م، تكريمًا لمنشئ القاهرة، الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، وهو أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل، بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي عبد الله الفاطمي، الذي يعود أصله إلى جزيرة صقلية، بينما ولد بمدينة المهدية سنة 319هـ، وتنسب إليه القاهرة المُعزية، بويع بالخلافة في المغرب، وكان أول خليفة فاطمي يدخل مصر بعد فتحها سنة 358هـ، وتمتد تلك التسمية من باب الفتوح إلى باب زويلة، شاملة شوارع: “باب الفتوح، أمير الجيوش، النحاسين، بين القصرين، الصاغة، الأشرفية، الشوايين، العقادين، المناخلية، والمنجدين، السكرية إلى باب زويلة”.

ويضم الشارع مجموعة من أروع آثار مدينة القاهرة، الذي يصل عددها إلى 29 أثرًا، تعكس انطباعًا كاملًا عن مصر الإسلامية، في الفترة من القرن العاشر، حتى القرن التاسع عشر الميلادي، والتي تبدأ من العصر الفاطمي (297- 567هـ/ 969- 1171م)، حتى عصر أسرة محمد علي (1220- 1372هـ/ 1805- 1953م)، وتتنوع الأثار الموجودة ما بين: مباني دينية، وسكنية، وتجارية، ودفاعية، واليوم تصطف الأسواق، ومحلات الحرف اليدوية التقليدية، على طول الشارع، مما يُضيف إلى سحر الشارع التاريخي.

 

  

شارع الصليبة

يعد شارع الصليبة، واحدًا من أقدم شوارع القاهرة الإسلامية الرئيسية في العصور الوسطى، ويمتد من ميدان القلعة، وصولًا إلى ميدان السيدة زينب، وقد أطلق على الشارع اسم “الصليبة” منذ حوالي 700 عامٍ، بسبب تقاطعه مع العديد من الشوارع الأخرى، ومن القرن الرابع عشر إلى منتصف القرن السادس عشر الميلادي، كان شارع الصليبة مشغولًا بمؤسسات الدولة، ومساكن أهم الأمراء في مصر.

كما شهد على العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية والتاريخية، من مرور مواكب المحمل السلطاني، إلى احتفالات الدولة، حتى المؤامرات التي حاكها حكام المماليك ضد بعضهم البعض، والعديد من الأمراء على مر العصور في الصليبة، وبنوا منشآت عسكرية، ومدرسة عسكرية، وورشًا لصناعة الأسلحة والبنادق.

ويحتوي “الصليبة” على مجموعة واسعة من المباني الإسلامية، التي تعرض مجموعة متنوعة من الطرز المعمارية الغنية والمتنوعة من فترات مختلفة، ويمكن العثور على المساجد والمدارس والكتاب “مدارس تعليم القرآن”، والأسبلة “صنابير المياه العامة”،  والخانقاوات “مواقع تجمع الصوفية”، والحمامات القديمة والقصور، كما أن الشارع عبارة عن متحفٍ في الهواء الطلق، يعرض العصر الإسلامي بكل بهائه، ومن أهم الآثار الموجودة بالشارع: “جامع أحمد بن طولون”، وهو أحد المساجد الأثرية الشهيرة بالقاهرة، وثالث مساجد الإسلام في مصر الإسلامية، بعد جامع “عمرو بن العاص”، و”جامع العسكر”، بالإضافة إلى كونه أنه أقدم مساجد مصر القائمة حتى الآن؛ لاحتفاظه بحالته الأصلية.

كما يضم شارع الصليبة، “بيت الكريتلية”، والمعروف بـ “متحف جاير أندرسون”، الذي يتكون من منزلين؛ “بيت محمد بن حاج سالم”، و”بيت السيدة آمنة بنت سالم”، ويعتبر هذان المنزلان من الآثار الإسلامية النادرة والثمينة التي تعود إلى العصر المملوكي والعثماني.

ويضم الشارع أيضًا “سبيل أم عباس”، هو سبيل كان مخصصًا فيما مضى لتوزيع مياه الشرب النقية على المارة، طلبًا للثواب، واستجلابًا للدعاء، ويقع السبيل عند تقاطع شارع الركبية وشارع السيوفية، مع شارع الصليبة، أمام حمام الأمير شيخو بالقاهرة.

شارع السيوفية

ويعتبر “شارع السيوفية”، أشهر شارع لتصنيع السيوف في القاهرة، كما أنه أهم الشوارع الأثرية في مصر الإسلامية، وهو متفرعٌ من شارع المعز لدين الله الفاطمي، وجزءٌ من الشارع الأعظم، ويبدأ من تقاطع شارع “محمد علي”، وينتهي عند تقاطعه مع “شارع الصليبة”.

سُمِّي شارع السيوفية بهذا الاسم، لأنه يرجع لورش السيوف التي كانت منتشرة بكثرة خلال العصر المملوكي، وكان في الماضي جزءًا من “مدينة القطائع”، التي كانت متواجدة في العصر الطولوني، وشهد ازدهارًا عمرانيًّا ملموسًا في العصر الفاطمي، واستمر في الازدهار حتى العصر الأيوبي، وكانت هذه المنطقة عبارة عن مجموعة بساتين تحيط بـ “بركة الفيل”.

باب الوزير

ويعتبر “شارع باب الوزير”، أحد الشوارع التاريخية والشهيرة في حي الدرب الأحمر بالقاهرة، وهو جزءٌ من المنطقة التاريخية المعروفة بـ “القاهرة الإسلامية” أو “القاهرة الفاطمية”، ويتميز بأنه موقعًا للعديد من المعالم الثقافية والتاريخية الهامة، وأحد أبواب القاهرة الخارجية في سورها الشرقي، الذي أنشأه صلاح الدين الأيوبي في المسافة الواقعة بين “الباب المحروق” و”قلعة الجبل”.

وفي عهد  المنصور أبو بكر بن محمد بن قلاوون، بالدولة المملوكية، تم بناء باب الوزير، تحديدًا عام 1341م، وسمي بهذا الاسم نسبة إلى “الوزير نجم الدين محمود بن شروين”، المعروف بـ “وزير بغداد”، حين كان وزيرًا للملك المنصور، الذي قام بافتتاح الباب، وهذا الباب لا يزال قائمًا إلى اليوم، وقد جدده الأمير “طراماي الأشرفي”، صاحب القبة المجاورة للباب عام 1503م.

ويضم شارع باب الوزير، مجموعة من الآثار التي تعود إلى العصر المملوكي والعثماني؛ حيث يوجد ﻣﻨﺰﻝ ﺍﻟﺮﺯﺍﺯ، ومجموعة خايير بك، ﻗﺒﺔ ﻃﺮﺑﺎي ﺍﻟﺸﺮﻳﻔي، الجامع الأزرق، مدرﺳﺔ أﻡ ﺍﻟسلطان ﺷﻌﺒﺎﻥ، سبيل ومدفن عمر أجا، مسجد قجماس الإسحاقي، مسجد الطنبغا المارداني، سبيل الأمير محمد كتخدا، قبة أبو اليوسفين.

شارع درب الجماميز

وعلى بعد أمتارٍ من مسجد السيدة زينب بوسط القاهرة، وبجوار المباني الخرسانية الحديثة الفارعة، التي طمست معالم القاهرة التاريخية، يقع “درب الجماميز”، الذي حارب غزوات التمدن والحداثة.

وعن سبب التسمية بهذا الاسم، ذكر في كتاب لـ “أبو العلا خليل”، الباحث المصري في التاريخ الإسلامي، أن “درب الجماميز” سُمي بذلك؛ نظرًا لأشجارٍ عظيمة من الجميز، تعرف بـ “جماميز السعدية”، منذ العصر المملوكي في مصر؛ حيث كان سكنًا لأكابر الأمراء، في عصور المماليك والعثمانيين والعلويين بمصر، وأقاموا به قصورهم، ومنشآتهم الدينية.

سبيل يوسف الكردي

وبمجرد دخولك “درب الجماميز” تجد بين المباني المرتفعة، شجرة كبيرة تختفي خلفها المئذنة لا يظهر منها إلا ارتفاعها، بها شروخٌ وتصدعاتٌ يعيشها مسجد سبيل وكُتاب “يوسف الكردي”، ويمكنك أن تمر أمامه دون أن يجذبك بسبب تداخله في المباني المجاورة، مظهره الخارجي يجعلك تتساءل: كيف سكتت حوائطه على الابتلاء بالإهمال كل هذا الوقت؟

ومجرد لوحة علقت على بابه تقول: “تحت الترميم”، لكن الواقع أنه ليس هناك أي عمليات ترميم، فحاله كما هو منذ سنواتٍ، وواجهة السبيل بها تشققات ظاهرة، وبسبب إهماله اتخذ سكان الدرب ساحاته جراجًا للسيارات.

ووفقًا لموسوعة آثار جنوب القاهرة، يحمل سبيل وكتاب يوسف الكردي رقم (213)، وهو الرقم المسجل به كأثرٍ تاريخيٍ، وأهم ما يميزه أنه ملحقًا بمجموعة معمارية تتألف من “زاوية، وتكية، ومدفن” للشيخ جمال الدين يوسف الكردي.

ويشغل السبيل الركن الغربي من المجموعة المعمارية، وكان يعلوه كُتّابًا لكنه غير قائمٍ حاليًا، وفي الجهة الشمالية المدفن، ثم التكية، وفي الجهة الجنوبية الشرقية الزاوية المُخصصة للصلاة.

أغرب مئذنة

وعلى رأس حارة السادات، المتفرعة من درب الجماميز؛ حيث مسجد “سيف الدين قرقجا”، أحد أمراء مماليك السلطان برقوق، الذي بناه عام 845هــ، ويحوي أغرب مئذنة بمصر، فالمسجد يقع على جانبٍ من الشارع، والمئذنة في الجانب الآخر.

وبداية الشارع لا تعطي مؤشرًا على وجود أي أثرٍ، فيمكنك أن ترى السيارات الخردة، وورش دهانات الدوكو، ومطاعم الفول والطعمية المصرية برائحتها المميزة، من مدخل الدرب، والمباني التي زحفت فوق المباني الأثرية، فحجبت نور الحضارة.

ويعتبر مسجد “قراقجا الحسني”، الوحيد في مصر الذي لا تتصل مئذنته به، وتعتبر قائمة بذاتها، ولا يربطها سوى جسرٍ خشبيٍ، كان يمر عليه المؤذن في الماضي؛ لإقامة الصلاة، ورفع الآذان فقط، لكن مع استخدام مكبرات الصوت في المسجد، لم يعد للمئذنة أهمية.

وتعاني المئذنة من المياه الجوفية التي تنتشر أسفلها، وتتسبب في تآكل جدرانها، كما تعاني من تشققاتٍ واضحة؛ خاصةً في الجزء الأعلى منها، ولا يختلف الحال، فجدار المسجد بالحارة هو الآخر تظهر عليه آثار الرطوبة والمياه الجوفية؛ حيث تهتكت الجدران بشكلٍ واضحٍ للعيان.

ووفقًا لما تذكره موسوعة “الآثار الإسلامية”، فإن مساحة المسجد تبلغ 400 مترٍ تقريبًا، وهو بناء غير منتظم الأضلاع؛ حيث إن المئذنة تقوم على قاعدة مربعة، يعلوها جسمًا يتكون من طابقين؛ الأول: مُثمن الشكل، والثاني: شكله أسطواني، ويفصل بينهما شرفة، في حين تعلو الطابق الثاني قبة آخرها هلال.

الكتبخانة

ومن بين الآثار التي لم تعد موجودة في المنطقة، رغم أن مولدها كان في “درب الجماميز”، كانت هيئة دار الكتب والوثائق القومية، والتي عرفت باسم “دار الكتب المصرية”، وهي مكتبة ضخمة في القاهرة، أنشأها الخديوي إسماعيل بناءً على اقتراحٍ من “علي باشا مبارك”، ناظر المعارف عام 1870م، وجمع فيها كتبًا ومخطوطات من كل نواحي مصر.

وبدأت الكتبخانة من سراي مصطفى باشا فاضل، في درب الجماميز، لكنها بعد 34 عامًا انتقلت لمبنٍ جديدٍ في منطقة باب الخلق، قبل أن يتم نقلها من جديد على النيل، بمنطقة بولاق، وتعتبر أقدم مكتبة عامة في الوطن العربي، على غرار المكتبة الوطنية الفرنسية، بشارع ريشليو بباريس، وكانت الكتبخانة التي سبقت دار الكتب بـ31 عامًا، تضم قاعة واسعة للمحاضرات العامة المفتوحة للجماهير والأدباء والعلماء، يلقون فيها محاضراتهم، وكان العلماء الأجانب يحاضرون في “العلوم، والجغرافيا، والفلك” مع ترجمة مباشرة.

مدرسة الفنون الجميلة

ومبنى آخر ليس له وجودًا الآن، ولكن كانت بدايته من “درب الجماميز”، وهي مدرسة الفنون الجميلة، التي أسستها أسرة محمد علي باشا، حاكم مصر، عام 1908م، على يد نحاتٍ فرنسي يدعى “جيوم لابلان”، وكانت المدرسة مفتوحة لأصحاب المواهب؛ حيث خرج منها رائدٌ فن النحت المصري “محمود مختار”، وآخرين.

شارع الأزهر

ويعد شارع الأزهر من أهم وأقدم شوارع العاصمة المصرية التاريخية في وسط القاهرة، وتمت تسميته نسبة لجامع الأزهر الشريف، الذي يمر من خلاله الشارع، كما احتوى على العديد من الآثار والعمائر التاريخية؛ مثل: “المشهد الحسيني، ونفق الأزهر، وخان الخليلي،  ومستشفى الحسين، والصاغة”.

ويعتبر شارع الأزهر، هو الشريان الرئيسي الذي يصل بين منطقة الأزهر، وباقي مناطق العاصمة، بجانب شارع بورسعيد، الذي يتقاطع معه، وشارع الموسكي، ويبدأ “الأزهر” من ميدان العتبة، حتى يصل إلى مسجدين من أكثر المساجد تأثيرًا؛ وهما: جامع الأزهر الشريف، ومسجد الحسين،  والمسجدان يقفان جنبًا إلى جنبٍ على ضفتي شارع الأزهر، وينتهي عند شارع صلاح سالم، في منطقة الدراسة.

ورغم ضيق شارع الأزهر، وعدم طوله النسبي، فبوسعنا أن نقطع الشارع سيرًا على الأقدام، في 20 إلى 25 دقيقة، أما بالسيارة فقد تحتاج من 30 إلى 60 دقيقة؛ ويزخر الشارع بالعديد من أنواع التجارة التي يصعب حصرها؛ من: تجارة أقمشة، وأجهزة كهربائية، وقطع الغيار لكل ما قد يخطر على بالك، وما لا يخطر أيضًا.

وأنشأ الإنجليز شارع الأزهر؛ لتسهيل وضمان نقل المعدات والوحدات العسكرية للمنطقة التي كانت تقام بها ثورة 1919 في مصر، ولعب الأزهر دورًا محوريًا فيها، كما كان أحد أول طرق المنطقة الذي أنشئ على الطراز الأوروبي.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *