كيف أفقد توظيف “توروب” الخاطئ للاعبين توازن الأهلي داخل الملعب؟
كتب:عبدالرحمن ابراهيم
لم تكن المباراة الأخيرة التي خاضها الأهلي أمام سيراميكا كليوباترا في المرحلة الحاسمة من الدوي الممتاز مجرد تعادل بنتيجة هدف لمثله، بل كانت كاشفة بوضوح عن أزمة فنية حقيقية يعيشها الفريق، أزمة تتعلق بالهوية قبل النتائج، وبطريقة إدارة المباراة قبل تفاصيلها الصغيرة.
ما قدمه الفريق داخل أرض الملعب يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأفكار التي يعمل بها الجهاز الفني بقيادة الدنماركي توروب، خاصة في ظل اختيارات تبدو بعيدة عن منطق كرة القدم الحديثة.
أول ما لفت الانتباه هو غياب الأجنحة بالمعنى الحقيقي للكلمة، ليس فقط كأسماء داخل التشكيل، بل كوظيفة فنية أساسية. اللعب على الأطراف في كرة القدم ليس رفاهية، بل أحد أهم مفاتيح فتح المساحات وكسر التكتلات، وعندما تعتمد على لاعبين لا يمتلكون مهارة المراوغة أو الجرأة في المواجهات الفردية، فأنت عمليًا تلعب بنصف هجوم. هذا ما حدث بالفعل، حيث بدا الفريق عاجزًا عن خلق التفوق العددي أو حتى تهديد المنافس من الأطراف، لتتحول الهجمات إلى محاولات تقليدية يسهل إيقافها.
الأزمة الأكبر ليست في الأسماء، بل في طريقة توظيفها. عندما تدفع بلاعب يملك خصائص المهاجم المتأخر وتطالبه بلعب دور رأس الحربة الصريح، فأنت بذلك تسحب منه أهم مميزاته. وعندما تطلب من لاعب وسط بقدرات دفاعية مثل اليو ديانج أن يستلم الكرة بين الخطوط في مساحات ضيقة ويصنع اللعب، فأنت تضعه في موقف لا يشبهه، وتخسر في الوقت نفسه التوازن في وسط الملعب. كرة القدم ليست تجربة عشوائية يا توروب، بل منظومة أدوار متكاملة، وأي خلل في توزيع هذه الأدوار ينعكس فورًا على شكل الفريق.
هذا الخلل منح المنافسين أفضلية واضحة، ليس لأنه أفضل بالضرورة، ولكن لأنه وجد مساحات يتحرك فيها بحرية، خاصة بين الخطوط، وهي المنطقة التي كان من المفترض أن تكون الأكثر تأمينًا. الهدف الذي استقبله الأهلي بالأمس أمام سيراميكا لم يكن سوى نتيجة طبيعية لهذا التراخي التكتيكي، حيث تُركت المساحات مفتوحة دون ضغط حقيقي أو تنظيم دفاعي واضح.
وعلى مستوى التعاقدات، لا يمكن تجاهل الجدل المحيط ببعض الصفقات، وعلى رأسها أحمد سيد زيزو ، الصفقة التي تفتقد للمنطق الفني في توقيتها الحالي، فاللاعب لم يعد يقدم نفس المستوى الذي كان عليه قبل سنوات، كما أن طريقة توظيفه داخل الملعب لا تساعده على استعادة أفضل نسخة منه. كرة القدم لا تُدار بمنطق الأسماء الكبيرة أو الضجة الإعلامية، بل بمدى احتياج الفريق الحقيقي للاعب وقدرته على الإضافة داخل المنظومة.
في المقابل، تجاهل أدوار لاعبين مثل حسين الشحات يثير علامات استفهام، خاصة أنه من أكثر اللاعبين التزامًا داخل الملعب، ويمتلك القدرة على تقديم أدوار تكتيكية واضحة، حتى وإن لم يكن الأفضل مهاريًا. أما امام عاشور، فيبدو أنه يمر بمرحلة فقدان تركيز، انعكست بشكل مباشر على أدائه، ليغيب تأثيره في وقت يحتاج فيه الفريق لكل عنصر قادر على صناعة الفارق.
وبعيدًا عن كل ذلك، لا يمكن إغفال ما شهدته المباراة من قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، خاصة في لقطات بدت واضحة للعين المجردة، ومع ذلك لم يتم احتسابها بالشكل الصحيح، رغم وجود تقنية الفيديو،و استمرار مثل هذه الأخطاء يطرح علامات استفهام حول مستوى المنظومة التحكيمية ككل، ويؤثر بشكل مباشر على عدالة المنافسة خاصة ونحن في الرمق الأخير من بطولة الدوري.
الأرقام بدورها تعكس حالة من عدم الاستقرار، حيث لم ينجح الأهلي في تحقيق سلسلة انتصارات متتالية خلال الفترة الأخيرة، وهو كفيل لتأكيد وجود خلل داخل الفريق على مدار الموسم بالكامل بلا إستثناء.
ورغم أن الأهلي خرج من المباراة بنتيجة التعادل بهدف لمثله، فإن ذلك لا يجب أن يحجب الحقيقة الأهم، وهي أن الأداء كان متواضعًا إلى حد لا يليق بفريق بحجم الأهلي. التعادل هنا لا يعكس توازنًا في المستوى بقدر ما يكشف عن فقدان القدرة على حسم المباريات، وهي سمة كانت دائمًا تميز الفريق في أصعب الظروف. كرة القدم لا تُقاس فقط بالنتائج، بل بكيفية الوصول إليها، والأهلي في هذه المباراة لم يقدم ما يوحي بأنه فريق قادر على فرض شخصيته أو التحكم في مجريات اللعب.
الاستمرار بنفس هذا الأداء، حتى مع الخروج بنتائج مقبولة أحيانًا، قد يُخفي العيوب لفترة قصيرة، لكنه لا يعالجها، بل يؤجل ظهورها في لحظات أكثر حساسية، حيث لا يكون هناك مجال للتعويض أو تدارك الأخطاء.
الأهلي لا يحتاج إلى المزيد من الأسماء بقدر ما يحتاج إلى وضوح في الرؤية، وإلى مدرب يدرك جيدًا كيف يوظف قدرات لاعبيه، ويعيد للفريق توازنه المفقود. كرة القدم في جوهرها لعبة جماعية قائمة على الانسجام، وليس على تجميع عناصر دون رابط حقيقي بينها وهي أساسيات وبديهيات، وإذا استمر الوضع بهذا الشكل، فالأزمة لن تكون في نتيجة مباراة، بل في هوية فريق اعتاد أن يكون له شكل واضح وشخصية لا تخطئها العين.
English 


































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































