# Tags
#ثقافة وفن

الميزان في القرآن الكريم.. رمزا للعدل وحدا فاصلا بين الطغيان والاستقامة

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يرد لفظ الميزان في القرآن الكريم، لا يرد مجرد آلةٍ تُوزَن بها السلع في الأسواق، بل يجيء محمّلًا بدلالة كونية وأخلاقية وتشريعية عميقة، حتى يصبح رمزًا للعدل الإلهي، وللنظام الذي قام عليه الوجود كله. إنّه ليس خشبةً ذات كفّتين فحسب، بل قاعدة حياة، ومقياس حق، وحدّ فاصل بين الطغيان والاستقامة.

ميزان الخلق :

في سور القرآن الكريم، يجيء الميزان مقترنًا ببناء الكون ذاته، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾.

السماء مرفوعة، والميزان موضوع. وكأنّ النظام الكوني ليس انفصالًا عن النظام الأخلاقي، بل هما وجهان لحقيقة واحدة. فكما أن للأجرام مدارات لا تزيغ، وللنجوم سننًا لا تختل، كذلك للإنسان ميزان لا ينبغي أن يطغى فيه. الطغيان هنا ليس في كفة الميزان فحسب، بل في السلوك، في القول، في العلاقات، في الحكم بين الناس.

الميزان في هذا السياق قانون توازن شامل؛ توازن بين المادة والروح، بين الحق والقوة، بين المصلحة والعدل. فإذا اختلّ الميزان في النفس، انعكس خلله في المجتمع، وإذا استقام في الفرد، استقام به عمران الأرض.

ميزان المعاملات :

في مواضع أخرى، يتجلى الميزان في صورته العملية المباشرة، في الأسواق والمعاملات. يقول تعالى في سورة سورة الشعراء على لسان شعيب عليه السلام: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ۝ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾. هنا يصبح الميزان معيار الأمانة الاقتصادية. فالظلم لا يبدأ دائمًا بحد السيف، بل قد يبدأ بنقص درهم، أو بتلاعب خفي في كفةٍ لا يراها المشتري. إن اختلال الموازين في الأسواق هو صورة مصغرة لاختلال القيم في النفوس. لذلك ربط القرآن بين إفساد الكيل والميزان وبين الفساد في الأرض.

إنها رسالة واضحة: لا عدالة اجتماعية بلا أمانة فردية، ولا أمانة فردية بلا وازع إيماني يذكّر بأن وراء ميزان الأرض ميزانًا أعظم.

ميزان الآخرة :

الميزان يبلغ ذروته في مشهد الآخرة. يقول تعالى في سورة سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾. هنا لا مجال للتلاعب، ولا فرصة لتدارك ما فات. كل كلمة، كل نية، كل فعل، توضع في ميزان لا يميل إلا بالحق. بعض المفسرين ذهبوا إلى أن الميزان حقيقي له كفتان، وبعضهم قال هو تمثيل للعدل الإلهي المطلق، لكن المعنى الجامع أن الحساب دقيق، وأن العدل كامل.

وفي سورة سورة القارعة: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۝ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾. الثقل هنا ليس ثقل الأجساد، بل ثقل الأعمال الصالحة، وثقل القلوب العامرة بالإيمان. إنّه ميزان القيمة الحقيقية للإنسان، لا حسبه ولا نسبه ولا جاهه.

ميزان النفس :

إذا تأملنا المعنى الأعمق، وجدنا أن الميزان يبدأ من الداخل. فالإنسان يحمل في قلبه ميزانًا خفيًا، يزن به أفعاله قبل أن يزنها غيره. الضمير الصادق هو الميزان الأول. فإن صلح، صلحت الموازين كلها، وإن فسد، لم تُغنِ كثرة الشعارات شيئًا. والقرآن حين يذكر الميزان، لا يريد فقط عدالة حسابية، بل عدالة وجودية. يريد أن يعيش الإنسان في توازن :لا إفراط في حب الدنيا، ولا تفريط في حق النفس. لا قسوة باسم الحق، ولا ميوعة باسم الرحمة. بل الاعتدالٌ هو سر البقاء.

الميزان في القرآن ليس مفهومًا جزئيًا، بل هو عمود المعنى. به قامت السماء، وبه تستقيم الأرض، وبه يُحاسَب الإنسان. إنه دعوة دائمة إلى أن نقيم الوزن بالقسط في كل شأن من شؤون حياتنا. فمن أقام الميزان في نفسه، لم يطغَ في حكمه. ومن عدل في معاملته، ثقل ميزانه يوم تُوزن الأعمال. ومن استقام على ميزان الله، عاش مطمئنًا في الدنيا، ورجا عدلًا ورحمة في الآخرة.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *