# Tags
#ثقافة وفن

عفريت من الجن في القرآن الكريم.. شاهد على عالم الغيب وأن الكون أوسع مما نرى

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يرد ذكر العِفريت في القرآن الكريم، فإننا لا نكون أمام حكاية خرافية، ولا أسطورة من نسج الخيال الشعبي، بل أمام مشهد قرآني دقيق يرسم صورة من صور عالم الغيب، ذلك العالم الذي يؤمن به المؤمن دون أن يراه، ويوقن به دون أن يحيط به علمًا.

العفريت ذُكر مرة واحدة صراحة في كتاب الله، في سياق قصة نبي الله سليمان عليه السلام، في سورة النمل، حين أراد أن يحضر عرش ملكة سبأ قبل قدومها إليه. يقول تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾(سورة النمل: 39)

معنى العفريت :

العفريت في اللغة العربية يُطلق على القويّ الشديد المارد، سواء من الإنس أو الجن، لكنه في الآية الكريمة جاء مقيدًا بقوله: “من الجن”، أي أنه مخلوق من عالم الجن، يتصف بالقوة والقدرة الخارقة قياسًا بغيره من بني جنسه.

قال أهل التفسير إن العفريت هو: القويّ المتمرد، شديد البأس، سريع الحركة، ذو قدرة عظيمة. وليس المقصود به مجرد شيطان عادي، بل هو من كبار الجن وأشدهم بأسًا.

السياق القرآني :

كان سليمان عليه السلام قد سمع بخبر ملكة سبأ، وهي بلقيس، فأراد أن يُريها آيةً من آيات الله، فأعلن في مجلسه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، فأجاب العفريت بعرضه السريع: أن يأتي بالعرش قبل أن يقوم سليمان من مجلسه، أي في زمن قصير نسبيًا. لكنه – رغم قوته – لم يكن الأسرع، فقد جاء الرد بعده من رجل آخر: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾

وهنا تتجلّى المفارقة العميقة: القوة الجسدية والقدرة الخارقة التي يمتلكها العفريت، تقابلها قوة أخرى أعلى وأسرع، هي قوة العلم المرتبط بالله.

دلالات ذكر العفريت :

وجود العفريت في القصة يحمل عدة معانٍ: أن الجن – مثل الإنس – مراتب ودرجات في القوة. وأن القوة ليست المعيار الأعلى، بل العلم المرتبط بالهداية الربانية أسمى. وأن عالم الجن حقيقة ثابتة في القرآن، لا مجال لإنكارها عند المؤمن. وأن تسخير الجن لنبي الله سليمان كان معجزة خاصة به.

هل العفريت شيطان؟

ليس كل جنيّ شيطانًا. الشيطان هو المتمرد العاصي من الجن (وقد يطلق أيضًا على الإنس المفسدين)، أما الجن فخلق من خلق الله، فيهم المؤمن وفيهم الكافر، كما جاء في سورة الجن.

والعفريت المذكور لم يُوصف بالعصيان، بل عرض خدمته، وقال: “وإني عليه لقوي أمين”، أي قوي على حمل العرش، أمين في أدائه.

إن ذكر العفريت في القرآن ليس لإثارة الرعب، ولا لإحياء الأساطير الشعبية، بل ليؤكد أن هذا الكون أوسع مما نرى، وأن القوة مهما بلغت ليست فوق سلطان الله، وأن العلم الموهوب من الله يعلو على مجرد القدرة.

في قصة العفريت تتجلى مفارقة عظيمة: قوةٌ تعرض خدمتها، وعلمٌ يتجاوزها، ونبيٌّ يقف بينهما شاكرًا لله، معترفًا بأن كل ذلك من فضل ربه. وهكذا يبقى العفريت شاهدًا قرآنيًا على أن عالم الغيب حق، وأن ترتيب القوى في ميزان الله ليس كما يتصوره البشر.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *