المكسب من تقوى الله.. منهج حياة كامل يضبط علاقة الإنسان بربه وبالناس

بقلم/ سامي المرسي كيوان
تأتي بعض الآيات القرآنية لتفتح في النفس نافذة واسعة من الطمأنينة، وكأنها تقول للإنسان: لا تقلق كثيرًا، فهناك باب خفيّ يفتحه الله حين تضيق الأبواب. ومن أجمل هذه الآيات ما ورد في قول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ من سورة الطلاق. إنها آية قصيرة في ألفاظها، لكنها واسعة في معانيها، عميقة في إشاراتها، كأنها قاعدة من قواعد الحياة التي لا تبلى مع الزمن.
حين نتأمل هذه الآية نجد أنها تربط بين أمرين: التقوى والمخرج. والتقوى ليست مجرد كلمة تُقال، بل هي حالة يعيشها الإنسان في ضميره وسلوكه. هي أن يراقب المرء ربَّه في السر والعلن، وأن يزن أفعاله بميزان الحق، وأن يتجنب الظلم والعدوان، وأن يبتعد عن الحرام حتى لو بدا الطريق إليه سهلًا. فالتقوى بهذا المعنى ليست عبادة شكلية فحسب، بل هي منهج حياة كامل يضبط علاقة الإنسان بربه وبالناس وبنفسه.
والعجيب في الآية أنها لا تعد المتقي بالرزق فقط، بل تبدأ أولًا بـالمخرج. وهذا ترتيب بليغ؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يقع في ضيق أو مأزق قبل أن يفكر في الرزق. قد تضيق عليه الدنيا بمشكلة في العمل، أو خصومة مع الناس، أو عجز في أمر من أمور حياته. وفي هذه اللحظة يشعر الإنسان وكأن الطرق قد سُدّت أمامه. هنا تأتي رسالة الآية: إن التقوى تفتح بابًا لا يراه الإنسان، وتخلق حلًا لم يكن في حسبانه.
إن كلمة المخرج في القرآن ليست مجرد حل عادي، بل هي نجاة من ضيق إلى سعة، ومن حيرة إلى وضوح. قد يكون المخرج فكرة تلهم الإنسان في لحظة يأس، أو إنسانًا يقف إلى جواره في وقت الشدة، أو فرصة تظهر فجأة بعد أن كان الطريق مسدودًا. وكثيرًا ما يروي الناس قصصًا من حياتهم عن أبواب فُتحت لهم حين ظنوا أنها لن تُفتح أبدًا.
ثم تأتي العبارة الثانية من الآية لتكمل الصورة: ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. هذه الجملة تحمل معنى عجيبًا؛ فالرزق في العادة يأتي من طرق معروفة: عمل، تجارة، ميراث، أو جهد يبذله الإنسان. لكن الآية تشير إلى نوع آخر من الرزق، رزق يأتي من حيث لا يتوقعه الإنسان ولا يخطر له على بال. كأن الحياة تخبئ للمتقي مفاجآت جميلة، تأتي في الوقت الذي يظن فيه أن الدنيا قد أغلقت أبوابها.
والرزق هنا لا يقتصر على المال فقط، فالمفهوم القرآني للرزق أوسع من ذلك بكثير. فالصحة رزق، والسكينة رزق، والولد الصالح رزق، والنجاح في العمل رزق، بل حتى القدرة على الصبر في الشدائد هي نوع من الرزق. قد يكون الإنسان غنيًا بالمال لكنه فقير إلى الطمأنينة، وقد يكون محدود المال لكنه غني بالقناعة والرضا. ولذلك فإن الرزق الحقيقي هو ما يمنحه الله للإنسان من خير يملأ حياته معنى وطمأنينة.
ومن روائع هذه الآية أنها تعلّم الإنسان ألا يقيس الحياة بالمعايير المادية وحدها. فكم من إنسان ظن أن طريق النجاح هو التحايل أو الظلم أو تجاوز الحدود، فإذا به يقع في أزمات لم يكن يتوقعها. وكم من إنسان تمسك بالتقوى رغم صعوبة الطريق، ففتح الله له أبوابًا لم تخطر له على بال. وكأن الآية تقول: إن الطريق المستقيم قد يبدو أطول في البداية، لكنه في النهاية الطريق الأكثر أمانًا وطمأنينة.
ولعل أعظم ما في التقوى أنها تمنح الإنسان قوة داخلية. فالمتقي لا يشعر أنه وحده في مواجهة الحياة، بل يشعر أن الله معه يرشده ويحفظه. وهذا الشعور وحده كفيل بأن يبدل الخوف طمأنينة، والقلق ثقة، واليأس أملًا. وعندما يعيش الإنسان بهذه الروح يصبح أكثر قدرة على مواجهة الصعوبات، لأن قلبه معلق بربه لا بالظروف المتغيرة.
وفي حياة البشر أمثلة كثيرة تؤكد هذا المعنى. فكثير من العظماء والناجحين مرّوا بظروف قاسية في بداياتهم، لكنهم تمسكوا بالقيم والمبادئ، فلم يفرّطوا في الصدق أو الأمانة أو العدالة. ومع الزمن وجدوا أن هذه القيم نفسها كانت السبب في فتح الأبواب أمامهم، لأن الناس تثق بمن يخاف الله ويحفظ الحقوق.
إن رسالة هذه الآية في النهاية ليست وعدًا بالثراء السريع، بل وعدٌ أعمق وأبقى: وعد بأن التقوى تجعل حياة الإنسان أكثر اتزانًا، وأكثر بركة، وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات. فالإنسان قد ينجح بالحيلة أو القوة لفترة قصيرة، لكنه لا يستطيع أن يشتري الطمأنينة. أما المتقي فإنه يعيش في سلام مع ضميره، ويثق أن الله لن يضيعه.
ولهذا تبقى هذه الآية كأنها بوصلة روحية للإنسان في حياته كلها. فإذا ضاقت الدنيا، تذكّر أن هناك مخرجًا لم يره بعد. وإذا قلّ الرزق، تذكّر أن أبواب الله لا تُغلق. وإذا خاف من المستقبل، تذكّر أن التقوى هي الطريق الذي يقود إلى النجاة.
وهكذا يتحول الإيمان بهذه الآية إلى قوة خفية في حياة الإنسان، قوة تدفعه إلى الاستقامة والعمل والصبر، وهو مطمئن إلى أن من يتقي الله لن يتركه الله في الضيق، بل سيهيئ له طريقًا إلى النور، ويرزقه من حيث لا يحتسب.
English 

































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































