# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “البقرة” رمز واضح للفرق بين الطاعة والعناد  

بقلم/ سامي المرسي كيوان

في القرآن الكريم لا تأتي القصص للتسلية، ولا تُروى الحوادث لمجرد التذكير بأممٍ بادت، بل تُستدعى الوقائع لتكشف طبائع النفوس. ومن بين تلك الوقائع تبرز قصة البقرة في سورة البقرة، لا كحادثةٍ زراعية عابرة، بل كمرآةٍ دقيقة لمرضٍ قديم يتجدد في كل عصر: مرض السؤال الذي لا يُراد به الفهم، بل يُراد به التعطيل.

حين وقف موسى أمام قومه وقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، كان الأمر في بساطته كافيًا. لم يُقيَّد بلون، ولا عُمِّق بوصف، ولا ضُيّق بشرط. كان التكليف واسعًا رحبًا، يصلح لأي بقرة، في أي مرعى، في أي بيت. ولو أنهم بادروا، لانتهى الأمر عند أول خطوة، ولما كُتب في التاريخ شيء اسمه “قصة البقرة”.

لكن النفس حين تُبتلى بالتردد، تبحث عن مخرجٍ لا عن امتثال.

قالوا: أتتخذنا هزوًا؟

ثم قالوا: ادع لنا ربك يبيّن لنا ما هي.

ثم عادوا يسألون عن لونها.

ثم عن عملها.

كل سؤالٍ كان يضيق الدائرة، وكل استفسارٍ كان يضيف قيدًا، حتى تحوّل الأمر السهل إلى عبءٍ ثقيل، وانتهى بهم الحال إلى بقرةٍ مخصوصةٍ نادرة، لا تكاد تُوجد إلا بشقّ الأنفس.

ليست الحكاية إذًا عن بقرةٍ صفراء فاقع لونها، بل عن عقلٍ يتذرّع بالتفاصيل ليهرب من جوهر الطاعة. إنها حماقة السؤال حين يتحول من طلب علمٍ إلى صناعة تعقيد.

لقد كان البقر يومئذٍ ثروةً وقيمةً اقتصادية. اللبن غذاء، واللحم طعام، والحرث قائم على ظهورها. وربما كان في قلوبهم تعلقٌ خفيٌّ بما يملكون، فجاء التكليف ليختبر موضع العبودية: هل هي لله وحده، أم لما تحت الأيدي من مالٍ ومتاع؟

وهنا يكمن العمق الرمزي في أن تُسمّى أطول سور القرآن باسم هذه القصة. إن سورة البقرة بما تحمله من تشريعاتٍ وأحكامٍ وقواعد إيمانية، تختصر في عنوانها درسًا واحدًا جامعًا: لا تُحوّلوا التكليف إلى متاهة.

كم من أمرٍ واضحٍ اليوم نغرقه في الأسئلة؟

كم من توجيهٍ بيّن نُحيله إلى جدلٍ فلسفيٍّ طويل؟

وكم من واجبٍ معلوم نبحث له عن استثناءاتٍ حتى يفقد معناه؟

إن السؤال في ذاته ليس مذمومًا؛ فالقرآن نفسه يدعو إلى التفكر والتدبر. لكن الفرق دقيق بين سؤالٍ يقود إلى نور، وسؤالٍ يُراد به تعطيل النور. الأول طلب هداية، والثاني محاولة التفاف.

وفي حياة الأفراد كما في حياة الأمم، تتكرر قصة البقرة بأشكالٍ شتى. يُطلب من الإنسان صدقٌ فيؤجله حتى تتضح الظروف، ويُطلب منه إصلاحٌ فيبحث عن ضمانات، ويُطلب منه التزامٌ فينتظر اكتمال الصورة. ومع كل تأجيل تضيق المساحة، حتى يصبح الطريق الذي كان فسيحًا ممرًا ضيقًا لا يُسلك إلا بعسر.

من هنا، فإن قصة البقرة ليست صفحةً من تاريخ بني إسرائيل، بل صفحةً من تاريخ النفس البشرية. إنها تحذيرٌ رفيق: لا تُكثروا السؤال حين يكون الواجب بيّنًا، ولا تُحاصروا الأمر الإلهي بالتفاصيل حتى يتحول إلى عبء.

فالطاعة البسيطة أيسر من الفلسفة المتكلفة، والامتثال الأول أرحم من الندم الأخير.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *