هاروت وماروت.. حين تنفصل المعرفة عن الإيمان بالله تتحول إلى فتنة

بقلم/ سامي المرسي كيوان
ورد اسما هاروت وماروت في موضعٍ واحدٍ من القرآن الكريم، في سورة البقرة، في سياق الحديث عن السحر وما نُسب إلى عهد نبي الله سليمان عليه السلام. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (سورة البقرة: 102)
موضعهما في القرآن
جاء ذكرهما مرتبطًا بمدينة بابل (في أرض العراق القديم)، حيث وصفتهما الآية بأنهما “الملكين” أو “الملَكين” على قراءةٍ أخرى، وأنهما كانا يعلّمان الناس السحر، لكن لا يبدآن تعليم أحدٍ حتى يحذّراه قائلين: «إنما نحن فتنة فلا تكفر».
وهنا يتجلى المعنى الجوهري: أن وجودهما كان اختبارًا وابتلاءً، لا دعوةً إلى الشر، بل تحذيرًا منه. فالتعليم كان مقرونًا بالتنبيه، وكأنهما يضعان الإنسان أمام حريته ومسؤوليته.
اختلف العلماء في تفسير طبيعة هاروت وماروت: جمهور المفسرين على أنهما ملكان من الملائكة أنزلهما الله ابتلاءً للناس. وقيل: بل هما رجلان صالحان سُمِّيا ملكين لعلو منزلتهما أو لحكمهما بين الناس.
ووردت في كتب التفسير رواياتٌ إسرائيلية توسعت في قصتهما، منها ما يتحدث عن معصيةٍ وقعت منهما، غير أن كثيرًا من العلماء – كابن كثير – رأوا أن هذه الروايات لا تصح سندًا، وأن الثابت هو ما ورد في القرآن دون زيادة.
ليست العبرة في تفاصيل الحكاية بقدر ما هي في مغزاها. فالآية جاءت لتبرئة نبي الله سليمان عليه السلام من تهمة السحر، ولبيان أن السحر كفرٌ وتعليمُه ابتلاء. كما تكشف الآية عن جانبٍ خطير من طبيعة الإنسان: قابليته للانجذاب إلى القوة الغامضة، ولو كان فيها هلاكه.
فالسحر – كما تشير الآية – قد يؤدي إلى التفريق بين المرء وزوجه، لكنه لا يضر أحدًا إلا بإذن الله. أي أن قدرة البشر محدودة، وأن المشيئة العليا هي الحاكمة.
حين نقف أمام قصة هاروت وماروت، نجد أنفسنا أمام مساحةٍ من الغيب. والقرآن – في حكمته – لم يُفصّل القصة، بل ذكر منها ما يخدم الهدف العقدي والتربوي. وهذا منهج قرآني واضح: التركيز على العبرة لا على التفاصيل الأسطورية.
وهكذا يبقى اسما هاروت وماروت شاهدين على معنى الامتحان الإلهي، وعلى أن المعرفة – إذا انفصلت عن الإيمان – قد تتحول إلى نقمة بدل أن تكون نعمة.
English 


































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































