# Tags
#ثقافة وفن

السعي الذي لا يضيع.. نافذة تطل على سرّ العلاقة بين العبد وربه

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يفتح القارئ قلبه لآيات القرآن الكريم، لا يمرّ على لفظٍ إلا ويشعر أنه مقصودٌ لذاته، موضوعٌ في موضعه بدقةٍ إلهية لا تقبل العبث ولا المصادفة. ومن بين هذه الألفاظ التي تحمل عمقًا إنسانيًا وروحيًا هائلًا، يبرز تعبير “السعي المشكور” كنافذةٍ تطل على سرّ العلاقة بين العبد وربه، علاقة لا تقوم على مجرد الفعل، بل على القصد والاتجاه والمعنى الكامن خلف كل حركة في الحياة.

يقول الله تعالى في سياق التمييز بين من يريد الدنيا ومن يتجه إلى الآخرة: “وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا” (الإسراء: 19). وهنا لا يتحدث النص عن السعي بوصفه جهدًا جسديًا أو نشاطًا يوميًا فحسب، بل يرفعه إلى مرتبة المعنى الوجودي، حيث يصبح السعي تعبيرًا عن الوجهة، عن الإرادة العميقة التي تحرك الإنسان من الداخل، وعن الإيمان الذي يمنح هذا السعي قيمته وشرعيته.

إن السعي المشكور ليس سعيًا عابرًا، ولا هو عملٌ يُقاس بظاهره فقط، بل هو ذلك الجهد الذي ينشأ من قلبٍ امتلأ بإرادة الآخرة، قلبٍ لم تعد الدنيا غايته القصوى، بل صارت معبرًا ووسيلة. هذا السعي يبدأ من النية، من تلك اللحظة الخفية التي لا يراها أحد، حين يقرر الإنسان أن يكون ما يفعله خالصًا لله، لا رياء فيه ولا طلبًا لثناء الناس. ومن هذه النية تتشكل كل التفاصيل، فيتحول العمل البسيط إلى عبادة، والجهد اليومي إلى طريقٍ نحو الله.

ثم إن هذا السعي لا يكون مشكورًا إلا إذا كان “سعيها”، أي سعي الآخرة كما ينبغي أن يكون، وفق ما شرع الله، لا كما تمليه الأهواء أو تزينه الرغبات. وهنا يظهر ميزان دقيق، فليس كل اجتهاد مقبولًا، ولا كل تعبٍ مثمرًا في ميزان الآخرة. قد يسعى الإنسان طويلًا، ويظن أنه يحسن صنعًا، لكنه إذا خرج عن الطريق، أو فقد البوصلة، ضاع سعيه في التيه. أما السعي المشكور فهو سعيٌ مهتدٍ، يسير على نور، يعرف غايته، ويلتزم حدوده.

ويأتي الإيمان ليكون الروح التي تبث الحياة في هذا السعي. فبدون الإيمان، يصبح العمل جسدًا بلا روح، حركةً بلا معنى، وقد يحقق نجاحًا في أعين الناس، لكنه يظل فارغًا في ميزان السماء. أما حين يقترن السعي بالإيمان، فإنه يكتسب عمقًا آخر، ويصبح متصلًا بالله، ممتدًا أثره إلى ما بعد هذه الحياة.

وإذا كان الإنسان هو الذي يشكر من أحسن إليه، فإن العجب كل العجب أن يكون الله، وهو الغني عن العالمين، هو الذي “يشكر” سعي عباده. وليس شكر الله كَشكر البشر، بل هو شكر يليق بجلاله، يتجلى في القبول أولًا، وفي مضاعفة الأجر ثانيًا، وفي تحويل العمل الصغير إلى أثرٍ عظيم لا ينقطع. فربّ عملٍ خفي لا يلتفت إليه أحد، يرفعه الله درجاتٍ لا يبلغها عملٌ ظاهر، لأنه خرج من قلبٍ صادق وسعى به صاحبه على هدى.

وفي هذا المعنى رحمة واسعة، إذ يطمئن الإنسان أن سعيه لن يضيع ما دام صادقًا، حتى وإن لم يرَ ثماره في الدنيا. فكم من إنسانٍ زرع ولم يحصد، وتعب ولم يُكافأ، وظن أن جهده قد ذهب هباءً، لكن الحقيقة التي يقررها النص القرآني أن هناك ميزانًا آخر لا يخطئ، وأن هناك شكرًا إلهيًا لا يُغفل، وأن السعي إذا توفرت فيه شروطه، فإنه محفوظ، مصون، ينتظر صاحبه يوم يلقى ربه.

وهكذا يتحول مفهوم السعي المشكور إلى دعوةٍ عميقة لإعادة النظر في كل ما نفعله. ليس المهم أن نسعى فقط، بل أن نسعى الوجهة الصحيحة، وأن نحمل في داخلنا نيةً صافية، وإيمانًا حيًا، واتباعًا صادقًا. عندها فقط يصبح للحياة معنى، ويصبح لكل خطوة وزن، ولكل تعبٍ قيمة، ويصبح الإنسان مطمئنًا أن جهده، مهما بدا صغيرًا، لن يضيع، بل سيجده عند الله أعظم مما كان يتصور.

ذلك هو السعي الذي لا يضيع… السعي الذي يشكره الله.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *