د. محمد شومان يكتب: رؤية نقدية لمقولة خاطئة.. وسائل الإعلام الجديدة تلغى القديمة وتطورها
بقلم- د. محمد شومان:
هناك مقولة رائجة تبدو وكأنها قاعدة ذهبية يجرى تدريسها فى كثير من كليات الإعلام تقول إن ظهور وسيلة إعلامية جديدة لا يلغى الوسائل القديمة التى سبقتها، فعندما ظهر البث الإذاعى فى مطلع العشرينات من القرن الماضى لم يلغ الصحف والمجلات الورقية، وعندما ظهر البث التليفزيونى المنتظم فى ثلاثينيات القرن العشرين، وأصبح شائعاً بعد الحرب العالمية الثانية، لم يلغ الإذاعة أو الصحافة الورقية.
بل تعايشت كل هذه الوسائل الإعلامية، وإن كانت الغلبة للتليفزيون. وبالتالى فإن ظهور الإنترنت والمنصات الرقمية ستتعايش أيضًا مع الصحافة الورقية والإذاعة والتليفزيون.
أعتقد أن هذه الرؤية غير صحيحة، ولابد أن تراجع، وفكرة تعايش الوسائل ليست ذهبية أو خالدة، لأنها تشرح وضعاً حديثاً نسبياً، فتاريخ وسائل الإعلام يزيد قليلًا عن المائة عام منذ بدء البث الإذاعى وحتى اليوم، وبالتالى فإن التغير والتحول فى وسائل الإعلام هو القاعدة الأساسية، وليس الثبات أو التعايش الأزلى بين الصحافة والإذاعة والتليفزيون.
يجب أن نتخلى عن مقولة تعايش وسائط الإعلام فى ظل ثورة تكنولوجيا الاتصال وانتشار الإنترنت والويب منذ تسعينات القرن العشرين، حيث دمجت المنصات الرقمية كل هذه الوسائل ووظائفها فى وسيط واحد موحد، وأتاحت للجمهور إمكانية إنتاج ونشر محتوى فردى أو جماعى، كما أتاحت التفاعل مع المحتوى المنشور عبر المنصات سواء كان مكتوباً أو مسموعاً أو مرئياً. ولاشك أن هذه الإمكانيات لم تكن متاحة فى وسائل الإعلام التقليدية من صحافة وإذاعة وتليفزيون. مما يوسع من قدرة الجمهور وحريته فى الاختيار. مما يضرب جوهر الوسائل القديمة التى تفرض بث محتواها فى زمان ومكان محددين (مثل النشرة الإخبارية أو المسلسل فى موعد ثابت).
إن دمج المنصات الرقمية لوظائف الصحافة والإذاعة والتليفزيون لا يعنى إلغاء وظائف الإعلام الأساسية نفسها، التى تتمثل فى نقل الأخبار والمعلومات والتسلية ونشر الآراء والأفكار، بل يعنى إلغاء واستبدال الوسائط القديمة بالكامل. بعبارة أخرى ستختفى الصحافة الورقية ككيان مادى، لكن دورها سيستمر، وستؤدى وظائفها، لكن من خلال وسيط جديد رقمى يسمح للجمهور بقراءة النص أو الاستماع إليه (بودكاست) ومشاهدة فيديوهات توضح الخبر (تليفزيون)، أى ستنقل الأحداث بالنصوص المكتوبة وبالصوت والصورة.
كذلك سيختفى الراديو والتليفزيون بصورتهما الحالية، لصالح البث عند الطلب عبر المنصات وعبر الإنترنت، ولن تكون المشاهدة عبر الشاشات الحالية، وإنما ستكون من خلال الهواتف النقالة ونظارات تسمح للمشاهدين بالتحرك ومشاهدة الأحداث والأفلام ثلاثية الأبعاد، فضلاً عن مشاهدة مختلطة تجمع بين الواقع، والواقع الافتراضى، والواقع المدمج، ما يفوق بكثير قدرة الشاشات التقليدية.
ويشهد العالم حالياً مقدمات اختفاء أو إلغاء الوسائط التقليدية، فالإصدارات الصحفية الورقية تتراجع من حيث الكم، والنوع، والإيرادات، بشكل متسارع. باستثناء الهند التى تشهد زيادة تبدو غربية لكنها مبررة فى ضوء زيادة معدلات محو الأمية ونمو الطبقة الوسطى وانخفاض أسعار الصحف، حيث ما تزال تعوض تكلفة إصدارها بالدخل من الإعلانات. لكن ربما هذا الاستثناء يؤكد قاعدة اختفاء الصحافة الورقية التى يتوقع أن تختفى بحلول 2040 كما يتوقع كثير من الخبراء. وهناك زيادة هائلة ومتسارعة فى استهلاك التليفزيون عبر الإنترنت، وخدمات البودكاست (الصوتى والمرئى)، مما يؤكد التحول الجذرى فى أنماط الاستهلاك الإعلامى نحو الاستهلاك عند الطلب، والذى يمثل القوة الدافعة للاستهلاك العالمى، وعلى سبيل المثال ارتفعت فى أمريكا أعداد الذين يشاهدون التليفزيون عبر الإنترنت مقارنة بالبث التقليدى.
القصد .. ستتغير الوسائط، ولكن سيظل دور وسائل الإعلام والصحفيين حاضراً ولا غنى عنه فى جمع ونشر الأخبار والآراء، وربما يشاركهم هذا الدور بعض أفراد الجمهور من منتجى المحتوى أو ما يعرفون حالياً بالمؤثرين .
إضافة إلى الذكاء الاصطناعى. سيستخدم الصحفيون والإعلاميون والمؤثرون أدوات الذكاء الاصطناعى فى عملهم، حيث سيساعدهم كثيراً فى أداء وظائفهم، كما أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعى قد تكتب محتوى فى بعض الموضوعات. وقد نشهد بعد عشرين سنة أنواعاً من الصحافة الآلية أو الربوتية التى لا يتدخل البشر فى إنتاجها، ويقتصر دورهم على مراقبة الأداء والتدقيق فى صحة المعلومات. أى سيصبح الصحفى مشرفاً على جودة المحتوى بدلاً من كونه المنتج الوحيد له.
English 
































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































