سدرة المنتهى في القرآن الكريم.. رمزاً للإيمان بالغيب وتأكيدًا لمحدودية المعرفة الإنسانية

بقلم/ سامي المرسي كيوان
حين يتأمل القارئ آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن عوالم الغيب، يجد نفسه أمام تعبيرات مهيبة تحمل معاني عميقة تتجاوز حدود الإدراك البشري. ومن بين هذه التعبيرات القرآنية المدهشة يأتي ذكر سدرة المنتهى، ذلك الاسم الذي يثير في النفس رهبةً وجلالًا، ويجعل الخيال يقف عند حدود ما يمكن تصوره من عالم الغيب.
ورد ذكر سدرة المنتهى في سورة النجم في سياق الحديث عن رحلة الإسراء والمعراج، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى • عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى • عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى • إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ (النجم: 13–16).
هذه الآيات رسمت صورة مهيبة لمكان عظيم في عالم الملكوت. فكلمة السِّدْر في اللغة العربية تشير إلى شجرة النبق المعروفة، وهي شجرة ذات ظل وافر وثمر طيب. أما المنتهى فتعني الغاية أو الحد الأخير. ومن هنا فهم العلماء أن سدرة المنتهى هي شجرة عظيمة تقع عند الحد الفاصل الذي تنتهي إليه علوم الخلق وما يصعد من الأرض وما ينزل من السماء.
وقد ذكر المفسرون أن هذه السدرة تقع في السماء السابعة، في أعلى موضع يصل إليه عالم الملائكة والخلق. فهي حدٌّ ينتهي عنده علم المخلوقات، ولا يتجاوزه إلا ما شاء الله. ولهذا سُمّيت المنتهى، لأن كل ما يعرج من الأرض يقف عندها، وكل ما ينزل من فوقها يمر بها. فهي كأنها نقطة فاصلة بين عالم المخلوقين وعالم الغيب الأعلى الذي استأثر الله بعلمه.
وفي الأحاديث النبوية وصفٌ يزيد هذا المشهد رهبة وجمالًا. فقد روى الصحابة أن النبي ﷺ لما عُرج به رأى عند هذه السدرة من آيات الله ما لا يحيط به الوصف. وذكر أن أوراقها كآذان الفيلة، وأن ثمرها كالقلال (أي الجرار الكبيرة)، وأنها يغشاها من نور الله وأمره ما لا يمكن أن يصفه لسان. ولهذا جاء التعبير القرآني الموجز: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، وهو تعبير يترك الباب مفتوحًا لعظمة المشهد دون تحديد.
ومن المعاني التي توقف عندها العلماء أن سدرة المنتهى كانت علامةً على بلوغ النبي ﷺ أقصى مقام وصل إليه بشر في تلك الرحلة المباركة. فهناك وقف جبريل عليه السلام، وقال: لو تقدمتُ لاحترقت. ثم مضى النبي ﷺ في مقام خاص من القرب الإلهي، في مشهد يبرز خصوصية تلك الرحلة ورفعة منزلتها.
كما أن وجود جنة المأوى عند سدرة المنتهى يشير إلى ارتباط هذا الموضع بعالم النعيم والجزاء، وكأنه الحد الذي تلتقي عنده أسرار السماء بعالم الجزاء الأخروي.
إن ذكر سدرة المنتهى في القرآن ليس مجرد وصف لمكان في السماء، بل هو تذكير بحدود المعرفة الإنسانية. فمهما بلغ الإنسان من العلم، يبقى هناك منتهى يقف عنده العقل، ويبدأ بعده عالم الغيب الذي لا يدرك إلا بالوحي. وهنا تتجلى حكمة التعبير القرآني الذي جمع بين الإيجاز والإيحاء، ليترك في قلب القارئ إحساسًا بعظمة الكون، وسعة ملكوت الله.
ولهذا بقيت سدرة المنتهى رمزًا في الثقافة الإسلامية للحد الأعلى الذي ينتهي عنده علم المخلوق، وللمقام الذي شهد فيه النبي ﷺ من آيات ربه الكبرى ما لم يشهده بشر قبله. إنها صورة من صور الجلال الإلهي، تذكر الإنسان دائمًا بأن وراء عالمه المحدود آفاقًا من الغيب لا يحيط بها إلا الله.
English 














































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































