# Tags
#ثقافة وفن

شجرة الزقوم.. صورة تحذيرة قاسية لمواجهة الغرور والطغيان البشري

بقلم/ سامي المرسي كيوان

حين يرد ذكر شجرة الزقوم في القرآن الكريم، لا يرد بوصفها مجرد نبات، بل بوصفها صورة من صور العذاب، ومشهداً تتجسد فيه قسوة الجزاء لمن طغى وتجبر وكذّب. إنها شجرة ليست كالأشجار، ولا تنبت في أرض خضراء، بل تخرج في أصل الجحيم، وكأنها نقيض الطبيعة، إذ الطبيعة في عرف البشر حياةٌ ونماء، أما الزقوم فموتٌ وندم.

ورد ذكرها في مواضع متعددة من القرآن، منها قوله تعالى في سورة الصافات: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ۝ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (الصافات: 64–65). وفي سورة الدخان: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ۝ طَعَامُ الْأَثِيمِ ۝ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ۝ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (الدخان: 43–46). وفي سورة الواقعة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ۝ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ۝ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ (الواقعة: 51–53)

طبيعتها ومعناها:

الزقوم في اللغة يُقال إنه كل طعامٍ مكروهٍ شديد المرارة، يُتَزَقَّم بصعوبة. لكن القرآن نقل الكلمة من دلالتها اللغوية المحدودة إلى مشهدٍ أخروي مهيب؛ شجرة تنبت في النار، وثمرها قبيح المنظر، مرعب الهيئة، حتى شُبِّه برؤوس الشياطين، وهو تشبيه يرسم في الذهن صورة البشاعة لا صورة النبات.

 

ولم تكن الغاية من ذكرها إثارة الخيال فحسب، بل إقامة الحجة. فقد استهزأ بعض مشركي قريش بفكرة شجرة تنبت في النار، وعدّوا ذلك مستحيلاً، فجاء الرد القرآني ضمنيًّا بأن قدرة الله لا تُقاس بمقاييس البشر؛ فكما خلق النار قادرة على الإحراق، يخلق فيها ما يشاء من صور العذاب.

 

بين الحقيقة والرمز

اختلف المفسرون: فمنهم من حملها على ظاهرها، وأنها شجرة حقيقية في جهنم، خلقها الله عذابًا لأهلها. ومنهم من رأى في وصفها بعدًا تصويريًا يراد به تقريب شدة العذاب إلى الأذهان.

غير أن السياق القرآني، في مجمله، يسوقها في إطار تقرير عقيدة الجزاء، لا كقصة أسطورية، بل كحقيقة من حقائق الغيب التي يجب الإيمان بها، مع التسليم بأن طبيعة ذلك العالم تختلف عن قوانين هذا العالم.

دلالتها الأخلاقية :

ليست الزقوم مجرد صورة للعذاب الجسدي، بل هي انعكاسٌ لفسادٍ سابق. فمن أكل أموال الناس ظلمًا، وامتلأ قلبه بالإثم، ورفض الحق تكبرًا، يُملأ بطنه هناك بما يناسب فعله. وكأن الجزاء من جنس العمل؛ امتلاءٌ في الدنيا بالباطل، وامتلاءٌ في الآخرة بالمرارة.

وهنا تتجلى حكمة الخطاب القرآني: فهو لا يكتفي بوصف الجنة ونعيمها، بل يوازن بين الترغيب والترهيب، ليقيم في النفس حالة يقظة دائمة، فلا يغترّ المرء بمهلة الحياة، ولا يستهين بنداء الضمير.

شجرة الزقوم ليست دعوة إلى الخوف المجرد، بل دعوة إلى مراجعة النفس. إنها صورة تقف في مواجهة الغرور البشري، وتذكّر بأن للطغيان ثمرة، وأن للإنكار نهاية. فإذا كان في الجنة شجرة طوبى رمزًا للنعيم، ففي الجحيم زقوم رمزًا للخذلان.

والقرآن حين يرسم هذه المشاهد، لا يقصد أن يملأ القلوب رعبًا بقدر ما يريد أن يوقظها من غفلتها؛ فبين طعامٍ طيبٍ في ظل الرضا، وطعامٍ مُرٍّ في ظل السخط، يختار الإنسان مصيره بعمله.

إنها إذن شجرة التحذير… قبل أن تكون شجرة العذاب.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *