# Tags
#ثقافة وفن

الحيوان في القرآن الكريم.. “الذباب” رمز للعجز البشري أمام عظمة الخالق

سامي المرسي كيوان

حين يذكر القرآن كائنًا صغيرًا كـ”الذباب”، فإنه لا يذكره عبثًا، ولا يضعه في سياقٍ عابرٍ بلا مقصد. إنما يُقيم منه مشهدًا كاملًا، ويصوغ من حضوره الضئيل قضيةً كبرى تمس جوهر العقيدة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين القوة الموهومة والقوة الحقيقية. فالقرآن لا يتعامل مع الأحجام، بل مع الدلالات؛ ولا يقيس الأمور بالضخامة، بل بالحق.

الموضع الأشهر الذي ورد فيه ذكر الذباب هو في قوله تعالى من سورة الحج:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾

— القرآن الكريم، سورة الحج، الآية 73.

هذه الآية ليست مجرد استدلال بلاغي، بل هي هدمٌ كامل لبناء الشرك من أساسه. يبدأ النص بنداء عام: يا أيها الناس، لا يا أيها المؤمنون، لأن القضية هنا قضية إنسانية عامة، تتعلق بطبيعة الاعتقاد ذاته. ثم يعلن: ضُرب مثلٌ فاستمعوا له، وكأنما يطلب من السامع أن يتجرد من العناد، وأن يصغي لا إلى الصوت، بل إلى الحجة.

 الذباب بين الحق والباطل :

الذباب في هذا السياق ليس حشرة مزعجة فحسب، بل رمزٌ للضعف الذي يكشف ضعفًا أكبر. فالمشركون في بيئة نزول القرآن كانوا يصنعون أصنامًا، ينحتونها بأيديهم، ويزخرفونها، ويضعون لها القرابين، وربما لطختها الذباب وأكلت من طعامها، وهم يرون ولا يغيرون. فجاء التحدي القرآني بسيطًا وقاطعًا: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له.

أي مفارقة أعظم من هذه؟ إنهم يعجزون عن خلق كائنٍ حقير في نظرهم، بل أعجز من ذلك أنهم إن سلبهم الذباب شيئًا — ولو فتاتًا من طعام — لا يستطيعون استرجاعه منه. هنا تبلغ الصورة ذروة السخرية الهادئة: المعبود الذي يُرجى منه النفع والدفع، يقف عاجزًا أمام ذبابة.

ليس المقصود إذًا تحقير الذباب، بل تحقير الوهم. فالله الذي خلق الذباب، وخلق الإنسان، وخلق السماوات والأرض، هو وحده المستحق للعبادة. أما ما دونه، فمهما عظم في أعين الناس، فهو دون ذبابة في ميزان القدرة.

 لماذا الذباب؟

لو شاء النص أن يذكر أسدًا أو نسرًا أو مخلوقًا عظيمًا، لكان في ذلك رهبة. لكن ذكر الذباب يحمل رسالة أدق: إن العجز ليس في مواجهة القوى الجبارة فحسب، بل في مواجهة أدنى صور الحياة. الذباب كائن سريع، مراوغ، خفيف، لكنه في النهاية حشرة لا يُلتفت إليها عادة. ومع ذلك، فهو يحمل في تركيبه أسرارًا بيولوجية معقدة، لا يستطيع البشر — رغم تقدمهم العلمي — أن يخلقوا مثله من عدم.

إن الخلق هنا ليس مجرد تركيب مواد، بل إيجاد حياة من العدم، وإبداع جهاز عصبي، وأجنحة، وعينين مركبتين، وغريزة، ودورة حياة كاملة. فالتحدي القرآني ليس تحديًا في الحرفة، بل في القدرة المطلقة.

ثم تأتي الجملة الختامية: ضعف الطالب والمطلوب. الطالب هو العابد، والمطلوب هو المعبود. كلاهما ضعيف؛ الأول لأنه يطلب من غير القادر، والثاني لأنه عاجز بذاته. إنها جملة تهدم الثنائية الزائفة بين إنسانٍ يظن نفسه قويًا لأنه يتكئ على صنم، وصنمٍ يُظن فيه القوة. الحقيقة أن الضعف يعم الاثنين.

التحليل: من المثل إلى الفلسفة

في هذا المثل القرآني تتجلى فلسفة التوحيد بأبسط صورة. فالتوحيد ليس مجرد قولٍ باللسان، بل إدراكٌ عميق أن القدرة المطلقة لله وحده، وأن كل ما عداه محتاج، فقير، محدود.

الذباب هنا يصبح معيارًا للتمييز بين الخالق والمخلوق. فالخالق يبدع الحياة من العدم، والمخلوق — مهما بلغ — لا يستطيع إلا أن يعيد ترتيب ما هو موجود. وبين الإيجاد من عدم، وإعادة الترتيب، مسافة لا تُقاس.

كما أن في الآية بعدًا نفسيًا؛ فهي تفضح التعلق الزائف بما لا يملك نفعًا ولا ضرًا. الإنسان حين يعلق قلبه بغير الله، فإنه يبحث عن سند، عن طمأنينة، عن قوة يستند إليها. لكن القرآن يكشف أن هذا السند أوهى من جناح ذبابة.

ومن اللافت أن النص لم يذكر أن الذباب أقوى من الأصنام، بل أظهر عجز الأصنام أمام الذباب. فالضعف ليس في الذباب، بل في المعبود الباطل. وهنا يتحول الكائن الصغير إلى مرآة تعكس هشاشة التصورات المنحرفة.

الهدف من هذا المثل ليس مجرد الرد على مشركي مكة، بل تحرير العقل الإنساني من الخضوع لأي قوة مزعومة. فكل صنم — سواء كان حجرًا، أو سلطة، أو مالًا، أو فكرة — إذا رُفع إلى مقام الإله، أصبح عرضة لهذا التحدي: هل يخلق ذبابًا؟ هل يدفع عن نفسه ذبابة؟

القرآن يريد أن يرد الإنسان إلى مركزه الصحيح: عبدٌ لله، مستخلف في الأرض، لا يركع إلا للخالق. وإذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، تحرر من الخوف المرضي، ومن التعلق المذل، ومن الارتهان للضعفاء.

الذباب إذًا أداة تعليم، لا موضوع سخرية. إنه يذكّر الإنسان بحدوده، ويذكره في الوقت نفسه بعظمة من خلقه وخلق الذباب.

المغزى: من الحشرة إلى الحقيقة

المغزى العميق في هذا السياق أن العبرة ليست بالحجم، بل بالحقيقة. فقد يسخر الناس من كائنٍ صغير، لكنهم يغفلون عن أن في خلقه آية. وقد يعظمون شيئًا ضخمًا، لكنهم لا يرون عجزه.

إن ذكر الذباب في القرآن دعوة إلى إعادة ترتيب المقاييس. فالقوة ليست في الكثرة، ولا في التجمهر، ولا في الزخرف، بل في القدرة على الإيجاد. والضعف ليس في الصغر، بل في العجز.

وحين يختم النص بـ ضعف الطالب والمطلوب، فإنه يضع الإنسان أمام مرآة نفسه. كم من مرة طلبنا من غير الله ما لا يملكه؟ كم من مرة علقنا قلوبنا بما لا يملك أن يدفع عن نفسه ذبابة؟ إنها لحظة مراجعة، لحظة صدق مع الذات.

وهكذا يتحول الذباب من كائنٍ مهمل إلى رمزٍ كاشف. يكشف وهم القوة، ويعرّي الباطل، ويعيد الاعتبار للحقيقة الكبرى: أن الله وحده هو القوي، وأن كل ما عداه ضعيف محتاج.

ومن تأمل هذا المثل، لم يعد ينظر إلى الذباب نظرة ازدراء، بل نظرة اعتبار؛ لأنه صار دليلًا على أن أعظم الحقائق قد تختبئ في أصغر المخلوقات.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *