# Tags
#مقالات رأى

هوس الشات جى بى تى

بقلم / د. إلهام يونس

أحدث ظهور تطبيق Chat GPT (Chat Generative Pre-trained Transformer) جدلًا واسعًا وإرباكًا فى ثوابت المرجعية والمعرفة فأصبح مرجعًا للأجيال الرقمية بل وللمهاجرين الرقميين ومصدر ثقة وموثوقية ذا مكانة رفيعة فلا يكاد يمر يوم أو بضع ساعات دون أن نسمع عبارة ” اسأل شات جى بى تى” ذلك التطبيق الذي تم إصداره للجمهور في نوفمبر 2022، والذى انتشر على نطاق واسع بسرعة كبيرة، لدرجة أنه وصل إلى مليون مستخدم في خمسة أيام هذا الرقم الذى استغرق الوصول إليه فى تطبيق الفيس بوك حوالى  300 يوم و720 يومًا على Twitter و75 يومًا على Instagram وهذا الانتشار غير المسبوق يرجع لقدرته الفائقة على محاكاة اللغة البشرية عن كثب، وقدرته على إجراء محادثات متعددة متنوعة متتالية ومستمرة ..

ومما لا شك فيه أن هناك العديد من الاستخدامات الإيجابية التى ترتبط بقدرة التطبيقات الذكية على جمع وتحليل وتصنيف الكم الهائل من البيانات وتمثلت هذه الاستخدامات فى شرح المفاهيم المعقدة، وتلخيص المقالات الطويلة، ومساعدة الطلاب في الواجبات، وصياغة المحتوى التسويقي، ورسائل العمل بسرعة بالاضافة الى كتابة الأكواد، فحص الأخطاء البرمجية ، واقتراح الحلول التقنية فضلًا عن أتمتة المهام اليومية بكفاءة عالية ودعم اللغات المتعددة تحدثًا وتفاعلًا .

 وتعد الفورية والكفاءة من أبرز فوائد ChatGPT إذ يوفر للمستخدمين الوقت ويُمكّن المتعلمين من تركيز جهودهم على التحليل والمناقشة والتفكير الإبداعي بفضل قدرته القوية على إنشاء ردود مخصصة سريعة، بالاضافة إلى إمكانية استخدامه في مجموعة متنوعة من بيئات الأعمال، مثل خدمة العملاء والدعم الفنى  والرد التلقائي لأغراض تسويقية وغيرها.

ولكن تكمن خطورة استخدام ChatGPT في عدة جوانب رئيسية تشمل: انتهاك الخصوصية وتسريب البيانات الحساسة، تراجع مهارات التفكير النقدي والاعتماد المفرط لدرجة الإدمان، ونشر معلومات خاطئة أو مضللة.

ناهيك عن مخاطر الأمن المعلوماتى والبيانات ومشاركة تفاصيل العمل السرية أو بيانات العملاء الخاصة دون قصد مع منصة خارجية مما يهدد المزايا التنافسية لكل مؤسسة والأمر لا يقتصر على هذا بل امتد إلى تخزين المحادثات الشخصية والأسرار العميقة على الخوادم واستخدامها أحيانًا في التدريب أو الإعلانات بما يؤكد احتمالية تسريب البيانات أو التعرض لهجمات سيبرانية تسحب السجلات والوثائق المحفوظة.

وامتدت خطورة هذا التطبيق لتشمل التأثيرات النفسية والمعرفية الناتجة عن الاعتماد العاطفي المفرط والعزلة الاجتماعية الناتجة عن اعتبار الروبوت صديقًا أو بديلاً للتفاعل البشري مما يترتب عليه تدهور القدرات العقلية والذهنية وضعف مهارات حل المشكلات والتفكير التحليلي بسبب الكسل الفكري والحركى الناجم عن  استسهال طرق الحصول على المعلومات  الذى يؤدى فى بعض الأحيان إلى  معلومات غير دقيقة أو مضللة في مجالات حساسة مثل الصحة أو الأمور النفسية.

وفى الحديث عن المخاطر الأمنية والأكاديمية حدث ولا حرج حيث سهولة إنتاج محتوى مزيف سواء أدوات بحثية أو أبحاث كاملة مما يهدد النزاهة الأكاديمية ويزيد حالات الغش بالاضافة إلى إمكانية استغلاله في صياغة رسائل تصيد احتيالي وهجمات هندسة اجتماعية متطورة.

وعلى الرغم من أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة التعليمية الأكاديمية ليس موضوعًا جديدًا، إلا أن الانتشار السريع لتطبيق Chat GPT جعله موضوعًا شائعًا في الربع الأول من عام 2023، رغم الظهور الحديث نسبيًا لـ  GPT-4  في الاستخدام اليومي للتطبيق  الذى يحظى بالاهتمام الأكبر في الجامعات كحل محتمل لتعزيز مشاركة الطلاب ونتائج التعلم.

 وهنا نركز في مقالنا على استخدام تطبيق ChatGPT في الأغراض الأكاديمية الذى يعد سلاحا ذا حدين فهو من ناحية أداة قوية ومفيدة للدارسين؛ تمكنهم من الوصول إلى المواد الدراسية والمناقشات بسهولة ودون الحاجة إلى الحضور الشخصي في الفصول الدراسية، والتعلم المخصص، وتشجيع التعلم التفاعلي، وإمكانية التقييم التكويني الذي يدعم التدريس والتعلم ويوفر تغذية راجعة مستمرة، وتحسين تجربة التعلم وتعزيز مشاركة الطلاب في المقررات عبر الإنترنت،بشكل يوفر نمطا جديدا من أنماط تحصيل المعرفة ؛ وباستخدامها بشكل صحيح وأخلاقي يمكن أن يكون لها دور فعال فى تبادل المعرفة وتحسين الأداء الأكاديمي للطلاب حيث لا مجال للطرق التقليدية في مواجهة الإجابات المتولدة عن الذكاء الاصطناعي ، ومن ناحية أخرى يؤدى إلى افتقار الطلاب للإبداع نتيجة قلة التفاعل الفعال مع المحتوى الأكاديمي والمشاركة في النقاشات الجماعية ، وافتقاد التحفيز والتشجيع المباشر من الأساتذة والزملاء، وهنا تكمن خطورة الاستخدامات غير المسئولة لهذا التطبيق حيث يعتبر البعد الأخلاقى فى استخدامه فى الأمور الأكاديمية هو التحدى الأكبر أو الشعرة الفاصلة بين الاستخدام الأمن لتطبيق يوفر الوقت والجهد من ناحية ولكنه مصدر مفتوح لبيانات ومعلومات الأخرين من ناحية أخرى  وهنا نوصى بضرورة استخدام هذا التطبيق بحكمة ومسؤولية، وعلى الدارسين أن يأخذوا بعين الاعتبار حقوق الآخرين وأن يكونوا على دراية بالقواعد الأخلاقية للاستخدام الأكاديمي الأمن ؛ من تجنب انتهاك حقوق المؤلف وعدم نشر المعلومات الخاصة دون إذن، والابتعاد عن ممارسات الغش الأكاديمي والتلاعب بالمعلومات ويضاف لهذه التحديات  تحد سلوكي خطير  يؤثر على أسلوب الحياة بشكل عام وهو إدمان الاعتماد على التطبيق للأغراض الأكاديمية بشكل يقتل المهارات البحثية والمهنية التى تعد أحد أهم مخرجات التعليم فى تخصصات عديدة ، مما يؤدي إلى التأخر في الانتهاء من المتطلبات الأكاديمية الأخرى.

وفي الوقت نفسه، أثارت التغييرات التي أحدثها هذا التطبيق في التدريس والبحث العلمى  أسئلة مهمة حول دور أعضاء هيئة التدريس في عملية التعلم، وما سيؤول إليه البحث العلمى من فوضى الاقتباس غير المدروس بل وسيمتد إلى الهدف الأساسى من البحث العلمى .. هل ستكون البحوث العلمية إضافة فعلية مساهمة فى التنمية والتقدم أم أنها أوراق متراصة منقولة تهدف للحصول على درجة علمية وتخريج دفعات من حملة الماجستير والدكتوراة ويحملون مع هذه الدرجات فراغا علميا وضعفا معرفيا  وهل يمكن لتقنيات مثل ChatGPT أن تحل محل عضو هيئة التدريس ؟ هل لا تزال هناك حاجة إليهم ؟ مما يستوجب على صانعي السياسات والقائمين على الإشراف على الرسائل العلمية وبحوث الطلاب أن يلزموا الطلاب بضرورة إجراء كشف الاقتباس فى جميع المراحل التعليمية  وتقديم التوعية الكافية بأهمية الالتزام  بأخلاقيات البحث العلمى أسوة بما يحدث فى الجامعات الدولية والاستعانة بخبراء التكنولوجيا لتجاوز مرحلة التحايل على أدوات كشف الاقتباس لنصل معًا لمرحلة الاستخدام الأمن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية المتطورة  بشكل يهدف لتحسين التعليم ودعم تعلم الطلاب .

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *