الحيوان في القرآن الكريم.. “العنكبوت” مرآة حقيقية للكشف عن وهن الضلال

بقلم/ سامي المرسي كيوان
حين نقترب من ذكر العنكبوت في القرآن الكريم، لا نقترب من حشرةٍ صغيرة تنسج خيوطها في الزوايا فحسب، بل نقترب من مشهدٍ رمزيٍّ بالغ الدلالة، يتجاوز الطبيعة إلى المعنى، ويتجاوز المخلوق إلى الرسالة.
حيث ورد ذكر العنكبوت صريحًا في القرآن في سورة تحمل اسمه، هي سورة العنكبوت، في قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ سورة العنكبوت (29:41)
والنص هنا لا يتحدث عن ضعف الخيط من حيث المادة فحسب، فخيوط العنكبوت من أعجب ما خلق الله في دقتها ومتانتها نسبةً إلى سُمكها، بل يتحدث عن “الوهن” بوصفه هشاشةً في البنية والوظيفة والمعنى. فبيت العنكبوت ليس بيتًا يحمي، ولا يؤوي، ولا يمنح ساكنه دفئًا أو أمانًا. هو فخٌّ أكثر منه مسكنًا، وشبكةُ صيدٍ أكثر منه مأوى.
القرآن الكريم يضرب المثل لأولئك الذين يتخذون من دون الله أولياء، يعتمدون عليهم، ويتوهمون فيهم الحماية والقدرة، فإذا بهم يستندون إلى أوهى بناء. إنهم يلوذون ببيتٍ لا يقيم جدارًا، ولا يصدّ ريحًا، ولا يحجب حرًّا أو بردًا. فيكون اعتمادهم عليهم كاعتماد العنكبوت على بيتها: ظنٌّ بأنه قوة، وحقيقةٌ الأمر ما هو إلا هشاشة.
ولفظ “اتخذت” في الآية جاء مؤنثًا، وقد لفت المفسرون إلى أن التي تنسج البيت في الغالب هي الأنثى، وفي ذلك دقةٌ لغوية وعلمية تثير التأمل. كما أن العنكبوت في عالمها قد تأكل ذكرها، أو يتفكك نظامها الأسري سريعًا؛ فلا هو بيت اجتماع، ولا هو موطن ألفة، بل كيانٌ مفكك، يعبّر عن غياب التماسك.
والقرآن حين يختار “بيت العنكبوت” مثالًا، فإنه لا يكتفي بالإشارة إلى الضعف المادي، بل يشير إلى ضعف الاعتماد، وضعف العقيدة، وضعف الأساس. فالمشكلة ليست في الخيط، بل في الفكرة: أن تتكئ على غير ركنٍ شديد.
وليس هذا هو الموضع الوحيد الذي ترد فيه صورة العنكبوت في الوعي الإسلامي. ففي السيرة النبوية، حين احتمى النبي ﷺ وصاحبه بالغار، نسجت العنكبوت خيوطها على فم الغار، فكان في ذلك سببًا في تضليل المطاردين. غير أن هذه الرواية مشهورة في كتب السيرة، وليست آيةً قرآنية. وهنا تتجلى المفارقة: ما يُظن واهيًا قد يجعله الله ستارًا، وما يُظن قويًا قد يكون سرابًا.
إن سورة العنكبوت نفسها تبدأ بقضية الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ فالبيت الواهي لا يصمد أمام ريح الفتنة، ولا أمام عصف الشكوك. أما البيت المؤسس على الإيمان، فهو الذي يبقى.
وهكذا تتحول العنكبوت في القرآن من كائنٍ صغير إلى مرآةٍ كبرى، يرى فيها الإنسان نفسه: على أي بيتٍ يقيم حياته؟ وعلى أي أساسٍ يشدّ خيوطه؟ وهل اعتماده على الله، أم على أوهامٍ من صنع يديه؟
إنها ليست قصة حشرة، بل قصة اعتماد. وليست صورة بيت، بل صورة يقين.
English 


































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































