الرئيسية / ثقافة وفن / قصة قصيرة|أحمد حسن يكتب: “فكرة أينعت”
أحمد حسن

قصة قصيرة|أحمد حسن يكتب: “فكرة أينعت”

كتب- أحمد حسن:

لم أكن أشعر يومًا أنني طفل عادي، بل دائمًا ما كنت أحس بشرارة التميز والانبهار في فكري، فكانت أمي تقول لي:

  • ماذا ستفعل حين تكبر يا أحمد؟

فأقول لها:

   =  أريد أن أصبح ضابطًا مثل عمي.

ولكنني في داخلي، كنت أجد تضاربات كثيرة، أهل حقًا أريد أن أصبح ضابطًا أم الأمنية كانت من أجل أنني أريد أن أحصل على الرداء العسكري الذي لم يجلبه لي أبي في عيد الأضحى مثلما تمنيت.

مر الوقت، وازداد عمري، وكثرت عدد سنين حياتي، حتى أصبحت في الإعدادية، فكررت أمي سؤالها:

  • ماذا تريد أن تكون عندما تكبر يا أحمد؟

فأجيبها:

  • أريد أن أصبح “رائد فضاء” يا أمي.

أيضًا تشكلت تلك الصراعات الداخلية، وارتبكت من سبب أمنيتي، أهل هي حب في الفضاء والعلوم أم رغبة في الطيران في هواء القمر.

مرت الأيام بسرعة الرياح، وحملتني معها، وأصبحت في الثانوية، مرحلة تحديد المصير، إما أن أكون أو لا أكون، وسألتني أمي سؤالها المعتاد:

  • ماذا تريد أن تصير يا عزيزي؟

فأخبرها:

  • أريد أن أصبح دكتور يا أمي.

لم أعلم حينها أيضًا أنني رغبت بذلك حبًا في الطب، أم لرغبتي بمعالجة أمي من آلام عظامها وخشونة الركبة التي تعاني منها.

دخلت كلية الطب، ومرت الأيام بسرعة البرق الذي كاد أن يخطف لي نور بصري، وقبل التخرج، جاءت لي أمي، وقالت:

  • ماذا تتمنى أن تكون يا طبيبي؟

قلت لها:

  • طبيبًا يا أمي، فأنا في كلية الطب، وماذا سأكون؟

مر الوقت، وأصبحت طبيبًا روتينيًا، لا أضيف للطب شيئًا، وحالة أمي تزداد سوءًا، بكبر سنها وهوان جسدها، أي أنني فشلت كطبيب في معالجة أمي، وفشلت كإنسان في معرفة ماهية نفسي.

واشتد المرض على أمي،  وكانت تحتضر في فراش الموت، فنادت علي لتسمعني كلماتها الأخيرة، ودار بيننا الحوار التالي:

  • كيف تريد أن تعيش يا حبيب عمري؟

=  أريد أن أعيش تحت قدميك يا أمي، هناك تركض الجنة.

  • وكيف ستكون في الجنة التي تحت قدمي، دون أن تكون مرتاحًا البال وطيب الخاطر وسليم الفكر.

=   لا أدري، ولكنك ستكونين بالجوار يا حبيبتي.

  • هذه هي جنة الخلد يا حبيبي، عند الله قد خلقها لنا كي لا نكل ولا نمل منها، ولكنك لم تجد جنتك على الأرض حتى الآن، فكنت دائمًا ما أسألك ماذا تريد أن تصبح حتى أساندك في اختيار أفكارك وتحديد أهدافك، ولكنك كنت هوائي الفكر، لا تستطيع تحديد ماهية روحك، وأنا أطلب منك طلبي الأخير، اجلس في غرفتك تحت غطاء سريرك لمدة خمس دقائق، وقرر من هو أحمد وتعال إلي، وقل لي نتيجة قرارك.

=   هذا ليس وقته يا أماه، يجب علي أن أرعاك وأظل بجوارك.

  • أطع أمري يا عزيزي، واتركني، فإنني مع الله، فهو خير حافظًا

حققت لها رغبتها، لكي أريح قلبها، ذهبت إلى غرفتي، واستلقيت في سريري، وقمت بتغطية وجهي بالغطاء، وأخذت أكرر على نفسي هذا السؤال مرارًا وتكرارًا، وكنت مشغولًا بأمي وبعيادتي وعملي وأشيائي الكثيرة.

فتذكرت طفولتي، حينما كنت أكتب رسائل لجارتي التي في عمري، وشعرت برغبة في الكتابة، فنزعت الغطاء، وكتبت رواية عن الحب تذكرني بجارتي، وأسميت روايتي على اسم جارتي، ڨالڨاديرا.

 وعندما دخلت كي أقول لأمي أنني أريد أن أكون كاتبًا، وجدتها قد ماتت، شعرت بالألم والفرحة متنافرين بداخلي، ألم فراق أمي وفرحة معرفة من أنا.

أنا الكاتب الذي كتب أولى رواياته، وحصلت على العديد من الجوائز، وكرمت في مهرجانات عدة.

أنا الذي أصبحت على ما أنا عليه بفضل العظيمة أمي.

أنا الذي جلبت أفكاري من بئر حبي لجارتي الصغيرة ڨالڨاديرا.

أنا الكاتب الذي قمت بتنظيم تلك القصة، وإنما هي ليست قصة، بل إهداء إلى روح أمي رحمها الله،  وإلى جميلتي ڨالڨاديرا.

شاهد أيضاً

الصحة: برنامج الكشف المبكر وعلاج سرطان الكبد فحص 106 آلاف شخص حتى الآن

قالت وزارة الصحة والسكان، إن برنامج الكشف المبكر وعلاج سرطان الكبد الأولي قام بفحص 106 …