الرئيسية / تقارير وحوارات / الدكتورة سحر حسن أحمد تكتب: سبيل محمد علي بشارع المعز

الدكتورة سحر حسن أحمد تكتب: سبيل محمد علي بشارع المعز

عرفَت مصر الأسبلة في عصري المماليك والعثمانيين، فكان يوجد في كل حىي أكثر من سبيل، لري عطش عابرى السبيل، ومد الأهالي بالماء، وكان الأُمراء والحكام يبحثون عن مجدٍ يخلد أسماءهم طوال الحياة، ومن ثم كانوا يقومون بإنشاء الأسبلة، شرطية أنّ تُسمى بأسمائهم، وبالرغم من أنّ الأسبلة ظهرت مُنذُ عصور قديمة، إلا إنها ما زالت حتى الآن باقية وحيّة بزخارفها ونقوشها، فلن تجد حي من أحياء القاهرة إلا وبهِ سبيل شهدَ على حكايات زمنٍ مضى، فلم تكُن الأسبلة مُجرد بناء خيريّ، بلّ ارتبطت بقصص وحكايات لم يتبقَ منها في النهاية إلا اسم صاحبه. والسبيل هو وقف لسقي الماء لعابري السبيل والمارة، كان المسلمون في العصور الوسطى يعدون السبيل أعظم ما يُثاب عليه الفرد من أعمال البر.

تخطيط الأسبلة

تتكون الأسبلة العامة من طابقين، الطابق الأول: يطلق عليه الخزان، وبه يتم تخزين المياه الجوفية، ويتم بناء الخزانات مع طبقة عازلة ومقاومة للرطوبة، أم الطابق الثاني: به حجرة التسبيل وملحقاتها حيث نجد النوافذ الأمامية للتسبيل، بها ألواح حجرية أو رخامية لوضع أكواب الشرب، وتكون الأكواب داخل كل شرفة ليكون الناس في مأمن من حركة الطريق أثناء الشرب، وترفع المياه من الخزان الموجود داخل الأرض من خلال أنابيب غير مرئية، وبعد ذلك، تمر على أحواض من الرخام للوصول إلى مقصورة توزيع المياه التي تتوسط الأرضيات لتوزيع الماء إلى النوافذ، ثم يضاف ماء الورد لتكون جاهزة للشرب.

سبيل محمد على باشا

أنشأ محمد علي باشا، هذا السبيل صدقةً على روح ولده إسماعيل باشا في سنة  1828م، وكان إنشاؤه نوع من التكفير عن ذنبٍ اقترفه محمد علي (الأب) مع المماليك فوقعَ ضحيته إسماعيل (الابن)، الذي تُوفي في السودان أثناء فتحها فى عام 1822، ولكنه سقط قتيلاً في النهاية – محروقًا لتعاليه على الملك نمر ملك الجعليين الذي صفعه على وجهه أمام جنوده- ، ولذا شعُر الباشا بالذنب تجاه ولدهُ المتوفى، وأنشأ لهُ هذا السبيل، وتفهّم أنّ ابنه دفع الثمن نيابةً عنه، ومن ثم قام ببناء هذا السبيل في قلب القاهرة الفاطمية بشارع المعز، وليس هذا وحسب، بل قام باستيراد أخشاب ورخام أبيض من تركيا، واستقدم معماريّين من الآستانة، وتم تزيّن السبيل بنقوش نباتيّة وآيات قرآنيّة.

أما عن تصميم السبيل، فقد جاءت واجهة السبيل مكسوّة بالرخام المحلي بنقوش وكتابات جميلة، والتي تكونت من أربعة أضلاع غطى كل منها شباك نحاسي مصبوب به رسوم بيضاوية يتخللها توريق، وقد كُسيت هذه الأضلاع بالرخام من أسفلها إلى أعلاها.

  • وحُلّيت الشبابيك بزخارف مورقة، ويعلو كل شباك لوحة مكتوبة بالتركية وتاريخ سنة 1244 هـ (1828- 1929)، ويعلوها عقد بداخله زخارف يُغطي الجميع رفرف خشبي محُلى بزخارف مذهبة، وتتصل به من طرفيه أبنية المدرسة، والزخارف الرخامية والزيتية للسبيل – خاصة بواجهته وقبة حجرة التسبيل – تلك التي تعكس طُراز الباروك والركوكو العثماني، ويظهر لقب “الخديوي” على جشمة (صدر) السبيل الرخامية كلقب لمحمد علي، ويشغل السبيل حاليًا متحف النسيج المصري.

  • وكان الدور العلوي من السبيل عبارة عن مدرسة سميت بمدرسة النحاسين الأميرية، ويُعد هذا السبيل أحد أجمل عناصر العمارة الإسلامية بالقاهرة التاريخية وأحد أهم وأدق النماذج الفنية الجميلة التي تزخر بها مصر، حيث يُعد حقبة تاريخية مهمة في تاريخها، ويُمثل أحد طُرز المباني الإسلامية وهو الطراز التركي في البناء.

لا شك أن لهذا المبنى قيمه تاريخية كبيرة فهو من أوائل الأسبلة التي أُلحقت بها مدرسة وليس كتاباً كسابقيه، وهذا يُعد تطورًا نوعيًا لوظيفة السبيل والكتاب، كما أن هذا يدل على تطوير أدوات التعليم في عصر محمد علي ونهضتهها، فهذا التطوير هو الأول من نوعه الذي يطرأ عليه وظيفة السبيل والكتاب بعد نحو ستة قرون، وقد كفلت تلك الوظيفة للمبنى، الحفظ والبقاء ووجود أسباب الحفظ المتمثلة في نظام الوقف، وتم عمل تأهيل للسبيل لإعاده توظيفه واستخدامه مرة أخرى لكي يتلاءم مع وظيفته؛ إذ تم تحويله إلى متحف للنسيج.

  • تم عمل إضافات معمارية داخلية ليتواءم مع الاستخدام الجديد، حيث تمت تجهيزات لتسهيل حركة ذوي الاحتياجات الخاصة، سواء بإنشاء منحدرات أو عمل مصعد كهربي، كما تم تخصيص مكان لحفظ أمانات الزائرين، وكذلك عمل كافيتريا ودورات مياه لخدمة الزوار.

  • كما تم غلق كافة الفتحات، كي يتم تكييف المبنى مركزيًا، وذلك لرفع الكفاءة الحرارية وخفض الفاقد في الطاقة، وتم غلق شبابيك التسبيل بواسطة الزجاج.

  • وبالنسبة للمعروضات، فقد تم وضعها في دواليب عرض زجاجية حديثة مجهزة لضبط درجات الحرارة والرطوبة داخلها ولعزل المعروضات الأثرية عن عوامل التدهور البيئية، وذلك لأن؛ النسيج سهل التعرض للتلف إذا ما تعرض للضوء والحرارة.

محتويات المتحف

  • يتكون المتحف من طابقين، وبالطابقين يوجد إحدى عشر قاعة، إذ يوجد بالطابق الأول أربع قاعات، القاعه الأولى: بها تحف ترجع للعصر الفرعوني وتُعرف بقاعة الحياة اليومية، القاعة الثانية: أيضًا فرعوني تُعرف بقاعة التسبيل، القاعة الثالثة: بها فرعوني وتُعرف بالقاعة الجنائزية، والقاعة الرابعة: بعض القطع اليونانية الرومانية وأدوات النسيج وبعض قطع العصر القبطي.

  • أما الطابق الثاني، ضم كل العصور الإسلامية، ابتداءً من العصر القبطي والعصر الأموي والعباسي والطولوني والأيوبي والمملوكي وكسوة الكعبة وعصر أسرة محمد علي.

  • ومن أشهر القطع الموجودة بالمتحف، وتُعتبر أكثر من رائعة هي كسوي الكعبة، والتي كانت تُصنع في دار الكسوة، وهي جزء من كسوة قد تم صُنعها في عهد الملك فاروق، وهذه هي درة تاج المتحف، وأيضًا قطعة رائعة تُمثل ستارة باب التوبة، وهي مستطيلة الشكل، عليها زخارف نباتية وكتابات قرآنية مطرزة بخيوط فضية وذهبية بأسلوب السيرما.

  • ويضم المتحف 676 قطعة مأخوذة من مجموعة متاحف، منها “متحف الفن الإسلامي، متحف الفن القبطي، متحف الفن المصري، منطقة القرنة في مدينة الأقصر والتي تُعتبر من أهم المناطق التي تحتوي على أثار مصرية.

  • تفرد كل سلطان مر على شارع المعز بإضفاء لمسته المعمارية حتى أصبحت الأسبلة من أهم الأثار الحالية.

شاهد أيضاً

متحدث الصحة: حوالى 6 ملايين مواطن حصلوا على الجرعة التعزيزية ضد كورونا

قال الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، إن الكورونا لم تختف ومازلنا فى الوباء، …